محمد بن جرير الطبري
83
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا قرة ، عن عطية ، قال : الفتيل : الذي في بطن النواة . قال أبو جعفر : وأصل الفتيل : المفتول ، صرف من مفعول إلى فعيل ، كما قيل : صريع ودهين من مصروع ومدهون . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الله جل ثناؤه إنما قصد بقوله : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا الخبر عن أنه لا يظلم عباده أقل الأشياء التي لا خطر لها ، فكيف بما له خطر ، وكان الوسخ الذي يخرج من بين أصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى ، كالذي هو في شق النواة وبطنها ، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة ، مما لا خطر له ولا قيمة ، فواجب أن يكون كل ذلك داخلا في معنى الفتيل ، إلا أن يخرج شيئا من ذلك ما يجب التسليم له مما دل عليه ظاهر التنزيل . القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً يعني بذلك جل ثناؤه : انظر يا محمد كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وإنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذب والزور من القول ، فيختلفونه على الله . وَكَفى بِهِ يقول : وحسبهم بقيلهم ذلك الكذب والزور على الله إِثْماً مُبِيناً يعني : إنه يبين كذبهم لسامعيه ، ويوضح لهم أنهم أفكة فجرة . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ قال : هم اليهود والنصارى انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أعطوا حظا من كتاب الله فعلموه يؤمنون بالجبت والطاغوت ، يعني : يصدقون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله ، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر والتصديق بهما شرك . ثم اختلف أهل التأويل في معنى الجبت والطاغوت ، فقال بعضهم : هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : أخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه قال : الجبت والطاغوت : صنمان . وقال آخرون : الجبت : الأصنام ، والطاغوت : تراجمة الأصنام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الجبت : الأصنام ، والطاغوت : الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس . وزعم رجال أن الجبت : الكاهن . والطاغوت : رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف ، وكان سيد اليهود . وقال آخرون : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حسان بن فائد ، قال : قال عمر رضي الله عنه : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي . إسحاق ، عن حسان بن فائد العنسي ، عن عمر مثله . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك ، عمن حدثه ، عن مجاهد ، قال : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . حدثنا يعقوب ، قال : أخبرنا هشيم ، قال : أخبرنا زكريا ، عن الشعبي ، قال : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ قال : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه ، وهو صاحب أمرهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن قيس ، عن مجاهد ، قال : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان والكاهن . وقال آخرون : الجبت : الساحر ، والطاغوت : الشيطان . ذكر من قال ذلك : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كان أبي زيد يقول : الجبت : الساحر ، والطاغوت : الشيطان . وقال آخرون : الجبت : الساحر ، والطاغوت : الكاهن .