محمد بن جرير الطبري
76
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سَمِعْنا وَعَصَيْنا قالوا : قد سمعنا ، ولكن لا نطيعك . القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره ، أنهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول ، ويقولون له : اسمع منا غير مسمع ، كقول القاتل للرجل يسبه : اسمع لا أسمعك الله . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قال : هذا قول أهل الكتاب يهود ، كهيئة ما يقول الإنسان : اسمع لا سمعت ، أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشتما له واستهزاء . حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قال : يقولون لك : واسمع لاسمعت . وقد روي عن مجاهد والحسن أنهما كانا يتأولان في ذلك بمعنى : واسمع غير مقبول منك . ولو كان ذلك معناه لقيل : واسمع غير مسموع ، ولكن معناه : واسمع لا يسمع ، ولكن قال الله تعالى ذكره : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم والطعن في الدين بسب النبي صلى الله عليه وسلم . وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ يقول : غير مقبول ما تقول ، فهو كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قال : غير مستمع . قال ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ غير مقبول ما تقول . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قال : كما تقول : اسمع غير مسموع منك . وحدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : كان ناس منهم يقولون : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كقولك : اسمع غير صاغ . القول في تأويل قوله تعالى : وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ يعني بقوله : وَراعِنا أي راعنا سمعك ، افهم عنا وأفهمنا . وقد بينا تأويل ذلك في سورة البقرة بأدلته بما فيه الكفاية عن إعادته . ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ يعني : تحريكا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه ، واستخفافا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم وَطَعْناً فِي الدِّينِ كما : حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال قتادة : كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا سمعك يستهزئون بذلك ، فكانت في اليهود قبيحة ، فقال : راعنا سمعك ليا بألسنتهم ؛ واللي : تحريكهم ألسنتهم بذلك ، وَطَعْناً فِي الدِّينِ حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ كان الرجل من المشركين يقول : أرعني سمعك يلوي بذلك لسانه ، يعني : يحرف معناه . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ إلى : وَطَعْناً فِي الدِّينِ فإنهم كانوا يستهزئون ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعنون في الدين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ قال : " راعنا " طعنهم في الدين ، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه . قال : والراعن : الخطأ من الكلام . حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر ، قال : أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ قال : تحريفا بالكذب . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ يعني بذلك جل ثناؤه : ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبي الله : سمعنا يا محمد قولك ، وأطعنا أمرك ، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله ، واسمع منا ، وانظرنا ما نقول ، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ