محمد بن جرير الطبري

77

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : لكان ذلك خيرا لهم عند الله وأقوم ، يقول : وأعدل وأصوب في القول . وهو من الاستقامة من قول الله : وَأَقْوَمُ قِيلًا بمعنى : وأصوب قيلا . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال : ابن زيد في قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ قال : يقولون : اسمع منا فإنا قد سمعنا وأطعنا . وانظرنا فلا تعجل علينا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن حابر ، عن عكرمة ومجاهد ، قوله : وَانْظُرْنا قال : اسمع منا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَانْظُرْنا قال : أفهمنا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَانْظُرْنا قال : أفهمنا . قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة من توجيههما معنى : وَانْظُرْنا إلى : اسمع منا ، وتوجيه مجاهد ذلك إلى : أفهمنا ، ما لا نعرف في كلام العرب ، إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى أفهمنا : انتظرنا نفهم ما تقول ، أو انتظرنا نقل حتى تسمع منا ، فيكون ذلك معنى مفهوما وإن كان غير تأويل الكلمة ولا تفسير لها ، فلا نعرف " انظرنا " في كلام العرب إلا بمعنى : انتظرنا وانظر إلينا ، فأما " انظرنا " بمعنى انتظرنا ، فمنه قول الحطيئة : وقد نظرتكم لو أن درتكم * يوما يجيء بها مسحي وإبساسي وأما انظرنا بمعنى : انظر إلينا ، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات : ظاهرات الجمال والحسن ينظر * ن كما ينظر الأراك الظباء بمعنى كما ينظر إلى الأراك الظباء . القول في تأويل قوله تعالى : وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يعني بذلك : ولكن الله تبارك وتعالى أخزى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية فأقصاهم وأبعدهم من الرشد ، واتباع الحق بكفرهم ، يعني بجحودهم نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يقول : فلا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاءهم به من عند ربهم ، ولا يقرون بنبوته إلا قليلا ، يقول : لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به يا محمد إلا إيمانا قليلا . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا قال : لا يؤمنون هم إلا قليلا . وقد بينا وجه ذلك فلا يؤمنون بعلله في سورة البقرة . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما يعني جل ثناؤه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود من بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله لهم : يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به . آمِنُوا يقول : صدقوا بما أنزلنا إلى محمد من الفرقان . مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يعني : محققا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : طمسه إياه : محوه آثارها حتى تصير كالأقفاء . وقال آخرون : معنى ذلك : أن نطمس أبصارها فنصيرها عمياء ، ولكن الخبر خرج بذكر الوجه ، والمراد به بصره . فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعل أبصارها من قبل أقفائها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا إلى قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً وطمسها أن تعمى فنردها على أدبارها ، يقول : أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى ونجعل لأحدهم عينين في قفاه . حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبدي ، قال : ثنا أبو قتيبة ، عن