محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ إلى قوله : وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً ما بين ذلك في يهود . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شيل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وهم أعداء الله أهل الكتاب ، بخلوا بحق الله عليهم ، وكتموا الإسلام ومحمدا صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، أما : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ فهم اليهود ، وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ اسم محمد صلى الله عليه وسلم . أو يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ يبخلون باسم محمد صلى الله عليه وسلم ، ويأمر بعضهم بعضا بكتمانه . حدثنا محمد بن مسلم الرازي ، قال : ثني أبو جعفر الرازي ، قال : ثنا يحيى ، عن عارم ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ قال : هذا للعلم ، ليس للدنيا منه شيء . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ قال : هؤلاء يهود ، وقرأ : وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال : يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب ، إذا سألوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه . وقرأ : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً من بخلهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبي نافع ، وبحري بن عمرو ، وحيي بن أخطب ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، يأتون رجالا من الأنصار ، وكانوا يخالطونهم ، يتنصحون لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون فأنزل الله فيهم : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي من النبوة التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إلى قوله : وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً . فتأويل الآية على التأويل الأول : والله لا يحب ذوي الخيلاء والفخر الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس من اسم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه ، وهم به عالمون ، ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك ، مثل علمهم بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له ، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته من حرم الله عليه كتمانه إياه . وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد : إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم . ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء . وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله الذين قالوا : إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية بالبخل ، بتعريف من جهل أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق ، وأن محمدا لله نبي مبعوث ، وغير ذلك من الحق الذي كان الله تعالى ذكره قد بينه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه ، فبخل بتبيينه للناس هؤلاء ، وأمروا من كانت حاله حالهم في معرفتهم به أن يكتموه من جهل ذلك ، ولا يبينوه للناس . وإنما قلنا : هذا القول أولى بتأويل الآية ، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل ، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقا ، بل ترى ذلك قبيحا ويذم فاعله ولا يمتدح ، وإن هي تخلقت بالبخل واستعملته في أنفسها فالسخاء والجود تعده من مكارم الأفعال وتحث عليه . ولذلك قلنا : إن بخلهم الذي وصفهم الله به إنما كان بخلا بالعلم الذي كان الله آتاهموه ، فبخلوا بتبيينه للناس ، وكتموه دون البخل بالأموال . إلا أن يكون معنى ذلك الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وسبله ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك ، فيكون بخلهم بأموالهم