محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأمرهم الناس بالبخل . فهذا المعنى على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس ، فيكون لذلك وجه مفهوم في وصفهم بالبخل وأمرهم به . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يعني بذلك جل ثناؤه وَأَعْتَدْنا وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم من المعرفة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، المكذبين به بعد علمهم به ، الكاتمين نعته وصفته من أمرهم الله ببيانه له من الناس ، عَذاباً مُهِيناً يعني : العقاب المذل من عذب بخلوده فيه عتادا له في آخرته ، إذا قدم على ربه وجده بما سلف منه من جحوده فرض الله الذي فرض عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني بذلك جل ثناؤه : واعتدنا للكافرين بالله من اليهود الذين وصف الله صفتهم عذابا مهينا . وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ " والذين " في موضع خفض عطفا على " الكافرين " . وقوله : رِئاءَ النَّاسِ يعني : ينفقه مراءاة الناس في غير طاعة الله أو غير سبيله ، ولكن في سبيل الشيطان . وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يقول : ولا يصدقون بوحدانية الله ولا بالميعاد إليه يوم القيامة ، الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن . وقد قال مجاهد : إن هذا من صفة اليهود ، وهو صفة أهل النفاق الذين كانوا أهل شرك فأظهروا الإسلام تقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به ، وهم على كفرهم مقيمون أشبه منهم بصفة اليهود ؛ لأن اليهود كانت توحد الله وتصدق بالبعث والمعاد ، وإنما كان كفرها تكذيبها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وبعد ففي فصل الله بين صفة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، وصفة الفريق الآخر الذين وصفهم في الآية قبلها ، وأخبر أن لهم عذابا مهينا ، بالواو الفاصلة بينهم ما ينبئ عن أنهما صفتان من نوعين من الناس مختلفي المعاني ، وإن كان جميعهم أهل كفر بالله . ولو كانت الصفتان كلتاهما صفة نوع من الناس لقيل إن شاء الله : واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ، الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس . ولكن فصل بينهم بالواو لما وصفنا . فإن ظن ظان أن دخول الواو غير مستنكر في عطف صفة على صفة لموصوف واحد في كلام العرب ؟ قيل : ذلك وإن كان كذلك ، فإن الأفصح في كلام العرب إذا أريد ذلك ترك إدخال الواو ، وإذا أريد بالثاني وصف آخر غير الأول أدخل الواو . وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه كتابه أولى بنا من توجيهه إلى الأنكر من كلامهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يكن الشيطان له خليلا وصاحبا يعمل بطاعته ويتبع أمره ويترك أمر الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته ، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات ؛ فَساءَ قَرِيناً يقول : فساء الشيطان قرينا . وإنما نصب القرين ، لأن في " ساء " ذكرا من الشيطان ، كما قال جل ثناؤه : بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا وكذلك تفعل العرب في ساء ونظائرها ، ومنه قول عدي بن زيد : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي يريد بالقرين : الصاحب والصديق . القول في تأويل قوله تعالى : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً يعني بذلك جل ثناؤه : أي شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، لو آمنوا بالله واليوم الآخر ، لو صدقوا بأن الله واحد لا شريك له ، وأخلصوا له التوحيد ، وأيقنوا بالبعث بعد الممات ، وصدقوا بأن الله مجازيهم بأعمالهم يوم القيامة وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ يقول وأدوا زكاة أموالهم التي رزقهم الله ، وأعطاهموها طيبة بها أنفسهم ، ولم ينفقوها رئاء الناس التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله ، والمحمدة بالباطل عند الناس ، وكان الله بهؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقا ، وهم بالله واليوم الآخر مكذبون ، عليما ، يقول : ذا علم بهم وبأعمالهم وما يقصدون