محمد بن جرير الطبري

54

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بمعنى : تكلمت ، ومشيت ، وبطشت . غير أن ما وصفت به كل عضو من ذلك ، فإنما أضيف إليه ما وصفت به ، لأنه بذلك يكون في المتعارف في الناس دون سائر جوارح الجسد ، فكان معلوما بوصف ذلك العضو بما وصف به من ذلك المعنى المراد من الكلام ، فكذلك قوله : وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لأن مماليك أحدنا تحت يده ، إنما يطعم ما تناوله أيماننا ويكتسي ما تكسوه وتصرفه فيما أحب صرفه فيه بها . فأضيف ملكهم إلى الأيمان لذلك . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مما خولك الله كل هذا أوصى الله به . وإنما يعني مجاهد بقوله : وكل هذا أوصى الله به " الوالدين وذا القربى واليتامى والمساكين والجار ذا القربى ، والجار الجنب ، والصاحب بالجنب ، وابن السبيل ، فأوصى ربنا جل جلاله بجميع هؤلاء عباده إحسانا إليهم ، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم ، فحق على عباده حفظ وصية الله فيهم ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً يعني بقوله جل ثناؤه : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا إن الله لا يحب من كان ذا خيلاء ، والمختال المفتعل من قولك : خال الرجل فهو يخول خولا وخالا ، ومنه قول الشاعر : فإن كنت سيدنا سدتنا * وإن كنت للخال فاذهب فخل ومنه قول العجاج : والخال ثوب من ثياب الجهال وأما الفخور : فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه ، وبسط له من فضله ، ولا يحمد على ما أتاه من طوله ، ولكنه به مختال مستكبر ، وعلى غيره به مستطيل مفتخر . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا قال : متكبرا فخورا ، قال : يعد ما أعطي ، وهو لا يشكر الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهروي ، قال : لا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا ، وتلا : وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا ، وتلا : وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يحب المختال الفخور ، الذي يبخل ويأمر الناس بالبخل . ف " الذين " يحتمل أن يكون في موضع رفع ردا على ما في قوله فَخُوراً من ذم ، ويحتمل أن يكون نصبا على النعت ل " من " . والبخل في كلام العرب منع الرجل سائله ما لديه وعنده من فضل عنه . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس عن أبيه طاوس في قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ قال : البخل : أن يبخل الإنسان بما في يديه ، والشح : أن يشح على ما في أيدي الناس . قال : يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام لا يقنع . واختلف القراء في قراءة قوله : وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ فقرأته عامة قراء أهل الكوفة : " بالبخل " بفتح الباء والخاء . وقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين بضم الباء : بِالْبُخْلِ وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد ، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في قراءته . وقد قيل : إن الله جل ثناؤه عنى بقوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ الذين كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود ، ولم يبينوه للناس ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه سليمان ، عن الحضرمي : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال : هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم وكتموا ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا