محمد بن جرير الطبري

140

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إسلامه ولا كفره ، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره ، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله . وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ يقول : ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم ، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم ، لَسْتَ مُؤْمِناً فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا ، يقول : طلب متاع الحياة الدنيا ، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه ، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فأثابكم بها على طاعتكم إياه ، فالتمسوا ذلك من عنده كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ يقول : كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلت له لست مؤمنا فقتلتموه ، كذلك أنتم من قبل ، يعني : من قبل إعزاز الله دينه بتباعه وأنصاره ، تستخفون بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه ، وأخذتم ماله بدينه من قومه أن يظهره لهم حذرا على نفسه منهم . وقد قيل : إن معنى قوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ كنتم كفارا مثلهم . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول : فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تباعه . وقد قيل : فمن الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه ، وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلام . فَتَبَيَّنُوا يقول : فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتله ممن التبس عليكم أمر إسلامه ، فلعل الله أن يكون قد من عليه من الإسلام بمثل الذي من به عليكم ، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان . إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يقول : إن الله كان بقتلكم من تقتلون وكفكم عمن تكفون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم خَبِيراً يعني : ذا خبرة وعلم به ، يحفظه عليكم وعليهم ، حتى يجازي جميعكم به يوم القيامة جزاء المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . وذكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال : إني مسلم ، أو بعد ما شهد شهادة الحق ، أو بعد ما سلم عليهم ، لغنيمة كانت معه أو غير ذلك من ملكه ، فأخذوه منه . ذكر الرواية والآثار بذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، أن ابن عمر ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا ، فلقيهم عامر بن الأضبط ، فحياهم بتحية الإسلام ، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية ، فرماه محلم بسهم فقتله . فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم فيه عيينة والأقرع ، فقال الأقرع : يا رسول الله سن اليوم وغير غدا فقال عيينة : لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " لا غفر الله لك " فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت به سابعة حتى مات ودفنوه ، فلفظته الأرض . فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكروا ذلك له ، فقال : " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله جل وعز أراد أن يعظكم " . ثم طرحوه بين صدفي جبل ، وألقوا عليه من الحجارة ، ونزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا . . . الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم ، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم ، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن . فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيء كان بينه وبينه ، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر ، نزل فينا القرآن : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً الآية . حدثني هارون بن إدريس الأصم ، قال : ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن ابن أبي حدرد الأسلمي ، عن أبيه أبو حدرد الأسلمي بنحوه . حدثنا أبو كريب ،