محمد بن جرير الطبري
137
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : كل من ضرب إنسانا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه ، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسه به أنه قاتل عمد قتل العمد ما كان المضروب به من شيء ؛ للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : معناه : فجزاؤه جهنم إن جازاه . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز في قوله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قال : هو جزاؤه ، وإن شاء تجاوز عنه . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله ، قال : ثنا شعبة ، عن يسار ، عن أبي صالح : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قال : جزاؤه جهنم إن جازاه . وقال آخرون : عني بذلك رجل بعينه كان أسلم ، فارتد عن إسلامه وقتل رجلا مؤمنا ؛ قالوا : فمعنى الآية : ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلا قتله ، فجزاؤه جهنم خالدا فيها . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها ، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله . قال ابن حريج وقال غيره : ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار ، ثم بعث مقيسا وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل مقيس النهري وكان أبدا ، فضرب به الأرض ، ورضخ رأسه بين حجرين ، ثم ألفي يتغنى : قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع فقال النبي : " أظنه قد أحدث حدثا ، أما والله لئن كان فعل لا أؤمنه في حل ولا حرم ، ولا سلم ولا حرب " فقتل يوم الفتح ؛ قال ابن جريج : وفيه نزلت هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية . وقال آخرون : معنى ذلك : إلا من تاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، قال : ثني سعيد بن جبير ، أو حدثني الحكم ، عن سعيد بن جبير ، قال : سألت ابن عباس عن قوله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ، ولا توبة له . فذكرت ذلك لمجاهد ، فقال : إلا من ندم . وقال آخرون : ذلك إيجاب من الله الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا كائنا من كان القاتل ، على ما وصفه في كتابه ، ولم يجعل له توبة من فعله . قالوا : فكل قاتل مؤمن عمدا فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار ، ولا توبة له . وقالوا : نزلت هذه الآية بعد التي في سورة الفرقان . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن يحيى الجابر ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال : كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره ، فأتاه رجل فناداه : يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا ؟ فقال : جزاؤه جهنم خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيما . قال : أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس : ثكلته أمه ، وأنى له التوبة والهدى ، فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " ثكلته أمه رجل قتل رجلا متعمدا ، جاء يوم القيامة آخذا بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجه دما ، في قبل عرش الرحمن ، يلزم قاتله بيده الأخرى يقول : سل هذا فيم قتلني " . والذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وما نزل بعدها من برهان . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد ، عن عمرو بن قيس ، عن يحيى بن الحارث التيمي ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً فقيل له : وإن تاب وآمن وعمل صالحا ؟ فقال : وأنى له التوبة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا موسى بن داود ، قال : ثنا