محمد بن جرير الطبري

136

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلى الله عليه وسلم ، فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله . والمتابعة صوم الشهرين ، ولا يقطعه بإفطار بعض أيامه لغير علة حائلة بينه وبين صومه . ثم قال جل ثناؤه : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يعني : تجاوزا من الله لكم إلى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين . وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يقول : ولم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك ، حكيما بما يقضي فيهم ويريد . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يقتل مؤمنا عامدا قتله ، مريدا إتلاف نفسه قتل العمد ، فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ يقول : فثوابه من قتله إياه جهنم ، يعني : عذاب جهنم ، خالِداً فِيها يعني : باقيا فيها . والهاء والألف في قوله : " فيها " من ذكر جهنم . وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ يقول : وغضب الله بقتله إياه متعمدا ، وَلَعَنَهُ يقول : وأبعده من رحمته وأخزاه وأعد له عذابا عظيما ، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره . واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحق صاحبه أن يسمى متعمدا بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجل رجلا بحد حديد يجرح بحده ، أو يبضع ويقطع ، فلم يقلع عنه ضربا به ، حتى أتلف نفسه ، وهو في حال ضربه إياه به قاصد ضربه أنه عامد قتله . ثم اختلفوا فيما عدا ذلك ، فقال بعضهم : لا عمد إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال : عطاء : قتل العمد السلاح أو قال : الحديد قال : وقال سعيد بن المسيب : هو السلاح . حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : قتل العمد ما كان بحديدة ، وما كان بدون حديدة فهو شبه العمد ، لا قود فيه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، قال : قتل العمد ما كان بحديدة ، وشبه العمد : ما كان بخشبة ، وشبه العمد لا يكون إلا في النفس . حدثني أحمد بن حماد الدولابي ، قال : ثنا سفيان ، عن عمرو ، عن طاوس ، قال : من قتل في عصبية في رمي يكون منهم بحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب بالعصي فهو خطأ ديته دية قتل الخطأ ، ومن قتل عمدا قتل العمد فهو قود يديه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ومغيرة ، عن الحارث وأصحابه في : الرجل يضرب الرجل فيكون مريضا حتى يموت ، قال : أسأل الشهود أنه ضربه ، فلم يزل مريضا من ضربته حتى مات ، فإن كان بسلاح فهو قود قتل العمد ، وإن كان بغير ذلك فهو شبه العمد . وقال آخرون : كل ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد قتل العمد ، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبي جبلة عن عبيد بن عمير ، أنه قال : وأي عمد قتل العمد هو أعمد من أن يضرب رجلا بعصا ثم لا يقلع عنه حتى يموت . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي هاشم ، عن إبراهيم ، قال : إذا خنقه بحبل حتى يموت أو ضربه بخشبة حتى يموت فهو القود قتل العمد . وعلة من قال كل ما عدا الحديد خطأ ، ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أبي عازب ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كل شيء خطأ إلا السيف قتل العمد ، ولكل خطأ أرش " . وعلة من قال : حكم كل ما قتل المضروب به من شيء حكم السيف من أن من قتل به قتيل عمد ، ما : حدثنا به ابن بشار ، قال : ثنا أبو الوليد ، قال : ثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك : أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بين حجرين قتل العمد ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقتله بين حجرين . قالوا : فأقاد النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل بحجر وذلك غير حديد . قالوا : وكذلك حكم كل من قتل رجلا بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثل المقتول به ، نظير حكم اليهودي القاتل الجارية بين الحجرين .