محمد بن جرير الطبري
116
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بقوله جل ثناؤه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً . ثم اختلف أهل التأويل في القليل الذي استثناهم في هذه الآية ، من هم ، ومن أي شيء من الصفات استثناهم ؟ فقال بعضهم : هم المستنبطون من أولي الأمر ، استثناهم من قوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ونفى عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : إنما هو لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، إلا قليلا منهم ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا يقول : لاتبعتم الشيطان كلكم . وأما قوله : إِلَّا قَلِيلًا فهو كقوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إلا قليلا . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد ، عن قتادة : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا قال : يقول : لاتبعتم الشيطان كلكم ؛ وأما إِلَّا قَلِيلًا فهو كقوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . . . إِلَّا قَلِيلًا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج نحوه ، يعني نحو قول قتادة ، وقال : لعلموه إلا قليلا . وقال آخرون : بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة ، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا . ومعنى الكلام : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، إلا قليلا منهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فانقطع الكلام ، وقوله : إِلَّا قَلِيلًا فهو في أول الآية يخبر عن المنافقين ، قال : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ إلا قليلا ، يعني بالقليل المؤمنين ، يقول الحمد لله الذي أنزل الكتاب عدلا قيما ، ولم يجعل له عوجا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : هذه الآية مقدمة ومؤخرة ، إنما هي : أذاعوا به إلا قليلا منهم ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير . وقال آخرون : بل ذلك استثناء من قوله : لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وقالوا : الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا هموا بما كان الآخرون هموا به من اتباع الشيطان ، فعرف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم ، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الآخرين . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا قال : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا حدثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان ، إلا طائفة منهم . وقال آخرون : معنى ذلك : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعا . قالوا : وقوله : إِلَّا قَلِيلًا خرج مخرج الاستثناء في اللفظ ، وهو دليل على الجميع والإحاطة ، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحد من الضلالة ، فجعل قوله : إِلَّا قَلِيلًا دليلا على الإحاطة . واستشهدوا على ذلك بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب : أشم كثير يدي النوال * قليل المثالب والقادحة قالوا : فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب ، ومعلوم أن معناه : أنه لا مثالب فيه ولا معايب ؛ لأن من وصف رجلا بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة ، فإنما ذمه ولم يمدحه ، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه . قالوا : فكذلك قوله : لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا إنما معناه : لاتبعتم جميعكم الشيطان . وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال :