محمد بن جرير الطبري

117

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عنى باستثناء القليل من الإذاعة ؛ وقال : معنى الكلام : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، ولو ردوه إلى الرسول . وإنما قلنا : إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا ، وغير جائز أن يكون من قول : لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان ، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب ، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون : معنى ذلك : لاتبعتم الشيطان جميعا ، ثم زعم أن قوله : إِلَّا قَلِيلًا دليل على الإحاطة بالجميع . هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له ، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ لأن علم ذلك إذا رد إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم ، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة ، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه . وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا ، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل ، فبين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع ، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة . القول في تأويل قوله تعالى : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ يعني بقوله جل ثناؤه : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ فجاهد يا محمد أعداء الله من أهل الشرك به في سبيل الله ، يعني : في دينه الذي شرعه لك ، وهو الإسلام ، وقاتلهم فيه بنفسك . فأما قوله : لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ فإنه يعني : لا يكلفك الله فيما فرض عليك من جهاد عدوه وعدوك ، إلا ما حملك من ذلك دون ما حمل غيرك منه : أي إنك إنما تتبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك ، وإنما عليك ما كلفته دون ما كلفه غيرك . ثم قال له : وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ يعني : وحضهم على قتال من أمرتك بقتالهم معك . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا يقول : لعل الله أن يكف قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته ، وأنكر رسالتك عنك وعنهم ونكايتهم . وقد بينا فيما مضى أن " عسى " من الله واجبة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا يقول : والله أشد نكاية في عدوه من أهل الكفر به منهم فيك يا محمد وفي أصحابك ، فلا تنكلن عن قتالهم ، فإني راصدهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة ، لأوهن كيدهم وأضعف بأسهم وأعلي الحق عليهم . والتنكيل مصدر من قول القائل : نكلت بفلان ، فأنا أنكل به تنكيلا : إذا أوجعته عقوبة . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي عقوبة . القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني بقوله جل ثناؤه : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك ، فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله ؛ وهو الشفاعة الحسنة يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها يقول : يكن له من شفاعته تلك نصيب ، وهو الحظ من ثواب الله ، وجزيل كرامته . وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يقول : ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به ، فيقاتلهم معهم ، وذلك هو الشفاعة السيئة يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني بالكفل النصيب والحظ من الوزر والإثم . وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب ، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة ، يقال منه : جاء فلان مكتفلا : إذا جاء على مركب قد وطئ له على ما بينا لركوبه . وقد قيل : إنه عنى بقوله : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها الآية ، شفاعة الناس بعضهم لبعض . وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا ، ثم عم بذلك كل شافع بخير