محمد بن جرير الطبري

113

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يعني بقوله : " فلم أرض ما بيتوا ليلا " : أي ما أبرموه ليلا وعزموا عليه . ومنه قول النمر بن تولب العكلي : هبت لتعذلني بليل اسمع * سفها تبيتك الملامة فاهجعي يقول الله جل ثناؤه : وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلا في كتب أعمالهم التي تكتبها حفظته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ قال : يغيرون ما عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم . حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا يوسف بن خالد ، قال : ثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ قال : غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ قال : غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ قال : هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا : طاعة ، فإذا خرجوا من عنده غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم . وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يقول : ما يقولون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : قوله : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ قال : يغيرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ، فإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده ؛ فعابهم الله ، فقال : بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ يقول : يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ هم أهل النفاق . وأما رفع " طاعة " فإنه بالمتروك الذي دل عليه الظاهر من القول ، وهو : أمرك طاعة ، أو منا طاعة . وأما قوله : بَيَّتَ طائِفَةٌ فإن التاء من بيت تحركها بالفتح عامة قراء المدينة والعراق وسائر القراء ، لأنها لام فعل . وكان بعض قراء العراق يسكنها ثم يدغمها في الطاء لمقاربتها في المخرج . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك ، ترك الإدغام ، لأنها أعني التاء والطاء من حرفين مختلفين ؛ وإذا كان كذلك كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب ، واللغة الأخرى جائزة أعني الإدغام في ذلك محكية . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا . يقول جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم : فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم : أمرك طاعة ، فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به وغيروه إلى ما نهيتهم عنه ، وخلهم وما هم عليه من الضلالة ، وارض لهم بي منتقما منهم ، وَتَوَكَّلْ أنت يا محمد عَلَى اللَّهِ يقول : وفوض أنت أمرك إلى الله وثق به في أمورك وولها إياه ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يقول : وكفاك بالله ، أي وحسبك بالله وكيلا : أي فيما يأمرك ، ووليا لها ، ودافعا عنك وناصرا . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً يعني جل ثناؤه بقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ