محمد بن جرير الطبري

114

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْقُرْآنَ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله ، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك ، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم ، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق ، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق ؛ فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً أي قول الله لا يختلف ، وهو حق ليس فيه باطل ، وإن قول الناس يختلف . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : إن القرآن لا يكذب بعضه بعضا ، ولا ينقض بعضه بعضا ، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم . وقرأ : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً قال : فحق على المؤمن أن يقول : كل من عند الله ، ويؤمن بالمتشابه ، ولا يضرب بعضه ببعض ؛ وإذا جهل أمرا ولم يعرف أن يقول : الذي قال الله حق ، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه ، ينبغي أن يؤمن بحقية ما جاء من الله . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، قوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ قال : يتدبرون النظر فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من الأمن . فالهاء والميم في قوله : وَإِذا جاءَهُمْ من ذكر الطائفة المبيتة . يقول جل ثناؤه : وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد أمنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم أَوِ الْخَوْفِ يقول : أو تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم أَذاعُوا بِهِ يقول : أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم . والهاء في قوله : أَذاعُوا بِهِ من ذكر الأمر وتأويله : أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم ، يقال منه أذاع فلان بهذا الخبر وأذاعه ، ومنه قول أبي الأسود : أذاع به في الناس حتى كأنه * بعلياء نار أوقدت بثقوب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ يقول : سارعوا به وأفشوه . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ يقول : إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم ، أو أنهم خائفون منهم ، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوهم أمرهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ يقول : أفشوه وشنعوا به . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ قال : هذا في الأخبار إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها ، فقالوا : أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا ، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا . فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به . قال ابن جريج : قال ابن عباس : قوله أَذاعُوا بِهِ قال : أعلنوه وأفشوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَذاعُوا بِهِ قال : نشروه . قال : والذين أذاعوا به قوم ، إما منافقون ، وإما آخرون ضعفاء . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أفشوه وشنعوا به ، وهم أهل النفاق . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . يعني جل