محمد بن جرير الطبري

103

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بذلك جل ثناؤه : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعظوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا أَجْراً يعني : جزاء وثوابا عظيما ، وأشد تثبيتا لعزائمهم وآرائهم ، وأقوى لهم على أعمالهم لهدايتنا إياهم صراطا مستقيما ، يعني : طريقا لا اعوجاج فيه ، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم ، وذلك الإسلام . ومعنى قوله : وَلَهَدَيْناهُمْ ولوفقناهم للصراط المستقيم . ثم ذكرجل ثناؤه ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام من الكرامة الدائمة لديه والمنازل الرفيعة عنده . فقال : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ الآية . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يطع الله والرسول بالتسليم لأمرهما ، وإخلاص الرضا بحكمهما ، والانتهاء إلى أمرهما ، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله ، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في الدنيا من أنبيائه وفي الآخرة إذا دخل الجنة . وَالصِّدِّيقِينَ وهم جمع صديق . واختلف في معنى الصديقين ، فقال بعضهم : الصديقون : تباع الأنبياء الذين صدقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم . فكأن " الصديق فعيل " على مذهب قائلي هذه المقالة من الصدق ، كما يقال رجل سكير من السكر ، إذا كان مدمنا على ذلك ، وشريب وخمير . وقال آخرون : بل هو فعيل من الصدقة . وقد روي عن رسول الله بنحو تأويل من قال ذلك ؛ وهو ما : حدثنا به سفيان بن وكيع ، قال : ثنا خالد بن مخلد ، عن موسى بن يعقوب ، قال : أخبرتني عمتي قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة ، عن أمها كريمة بنت المقداد ، عن ضباعة بنت الزبير ، وكانت تحت المقداد عن المقداد ، قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : شيء سمعته منك شككت فيه قال : " إذا شك أحدكم في الأمر فليسألني عنه " قال : قلت قولك في أزواجك : إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين ؟ قال : " من تعنون الصديقين ؟ " قلت : أولادنا الذين يهلكون صغارا . قال : " لا ، ولكن الصديقين هم المصدقون " . وهذا خبر لو كان إسناده صحيحا لم نستجز أن نعدوه إلى غيره ، ولو كان في إسناده بعض ما فيه . فإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالصديق أن يكون معناه المصدق قوله بفعله ، إذ كان الفعيل في كلام العرب إنما يأتي إذا كان مأخوذا من الفعل بمعنى المبالغة ، إما في المدح وإما في الذم ، ومنه قوله جل ثناؤه في صفة مريم : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا ، كان داخلا من كان موصوفا بما قلنا في صفة المتصدقين والمصدقين ؛ وَالشُّهَداءِ وهم جمع شهيد : وهو المقتول في سبيل الله ، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحق في جنب الله حتى قتل . وَالصَّالِحِينَ وهم جمع صالح : وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته . وأما قوله جل ثناؤه : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فإنه يعني : وحسن هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم رفقاء في الجنة . والرفيق في لفظ الواحد بمعنى الجميع ، كما قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأسهم أعداء وهن صديق بمعنى : وهن صدائق . وأما نصب " الرفيق " فإن أهل العربية مختلفون فيه ، فكان بعض نحويي البصرة يرى أنه منصوب على الحال ، ويقول : هو كقول الرجل : كرم زيد رجلا ، ويعدل به عن معنى : نعم الرجل ، ويقول : إن نعم لا تقع إلا على اسم فيه ألف ولام أو على نكرة . وكان بعض نحويي الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير وينكر أن يكون حالا ، ويستشهد على ذلك بأن العرب تقول : كرم زيد من رجل ، وحسن أولئك من رفقاء ؛ وأن دخول " من " دلالة على أن الرفيق مفسره . قال : وقد حكي عن العرب : نعمتم رجالا ، فدل على أن ذلك نظير قوله : وحسنتم رفقاء . وهذا القول أولى بالصواب للعلة التي ذكرنا لقائليه . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لأن قوما حزنوا على فقد رسول الله صلى الله عليه