محمد بن جرير الطبري

104

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وسلم حذرا أن لا يروه في الآخرة . ذكر الرواية بذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، قال : جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا فلان مالي أراك محزونا " ؟ قال : يا نبي الله شيء فكرت فيه . فقال : " ما هو ؟ " قال : نحن نغدو عليك ونروح ، ننظر في وجهك ونجالسك ، غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا . فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً قال : فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا ، فإنك لو قد مت رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ذكر لنا أن رجالا قالوا : هذا نبي الله نراه في الدنيا ، فأما في الآخرة فيرفع فلا نراه فأنزل الله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ إلى قوله : رَفِيقاً . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية ، قال : قال ناس من الأنصار : يا رسول الله ، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك ، فكيف نصنع ؟ فأنزل الله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية ، قال : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه ، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا ؟ فأنزل الله في ذلك فقال : إن الأعلين ينحدرون إلى من هم أسفل منهم فيجتمعون في رياضها ، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ، ويثنون عليه ، وينزل لهم أهل الدرجات ، فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به ، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه . وأما قوله : ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ فإنه يقول : كون من أطاع الله والرسول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ يقول ذلك عطاء الله إياهم وفضله عليهم ، لا باستيجابهم ذلك لسابقة سبقت لهم . فإن قال قائل : أوليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله ؟ قيل له : إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم فهداهم به لطاعته ، فعل ذلك فضل منه تعالى ذكره . وقوله : وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً يقول : وحسب العباد بالله الذي خلقهم عليما بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصي ، فإنه لا يخفى عليه شيء من ذلك ولكنه يحصيه عليهم ويحفظه حتى يجازي جميعهم ، فيجزي المحسن منهم بالإحسان ، والمسئ منهم بالإساءة ، ويعفو عمن شاء من أهل التوحيد . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً يعني بقوله جل ثناؤه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صدقوا الله ورسوله ، خُذُوا حِذْرَكُمْ خذوا جنتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم . فَانْفِرُوا إليهم ثُباتٍ وهي جمع ثبة ، والثبة : العصبة ؛ ومعنى الكلام : النفر للحرب فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين ، ومن الثبة قول زهير : وقد أغدوا وعلى ثبة كرام * نشاوى واجدين لما نشاء وقد تجمع الثبة على ثبين . أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً يقول : أو انفروا جميعا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم النفر للحرب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا