محمد بن جرير الطبري
102
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
منهم . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ هم يهود يعني : والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر لم يفعلوا إلا قليل منهم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود ، فقال اليهودي : والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم ، فقتلنا أنفسنا فقال ثابت : والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا فأنزل الله في هذا : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن إسماعيل ، عن أبي إسحاق السبيعي ، قال : لما نزلت : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " . واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله : إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع " قليل " لأنه جعل بدلا من الأسماء المضمرة في قوله : ما فَعَلُوهُ لأن الفعل لهم . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما رفع على نية التكرير ، كأن معناه : ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم ، كما قال عمرو بن معد يكرب : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : رفع " القليل " بالمعنى الذي دل عليه قوله : ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وذلك أن معنى الكلام : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم . فقيل : " ما فعلوه " على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، ثم استثنى القليل ، فرفع بالمعنى الذي ذكرنا ، إذ كان الفعل منفيا عنه . وهي في مصاحف أهل الشام : " ما فعلوه إلا قليلا قليل منهم " . وإذا قرئ كذلك ، فلا مرد به على قارئه في إعرابه ، لأنه المعروف في كلام العرب ، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كناية من قد جرى ذكره ، ثم استثني منهم القليل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً يعني جل ثناؤه بذلك : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك صدودا ، فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ يعني : ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ في عاجل دنياهم وآجل معادهم ، وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وأثبت لهم في أمورهم ، وأقوم لهم عليها . وذلك أن المنافق يعمل على شك ، فعمله يذهب باطلا ، وغناؤه يضمحل فيصير هباء ، وهو بشكه يعمل على وناء وضعف ، ولو عمل على بصيرة لاكتسب بعمله أجرا ولكان له عند الله ذخرا وكان على عمله الذي يعمل أقوى لنفسه وأشد تثبيتا لإيمانه بوعد الله على طاعته وعمله الذي يعمله . ولذلك قال من قال : معنى قوله : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً تصديقا . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً قال : تصديقا ، لأنه إذا كان مصدقا كان لنفسه أشد تثبيتا ولعزمه فيه أشد تصحيحا . وهو نظير قوله جل ثناؤه : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه بما فيه كفاية من إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً يعني