محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قائلوا ذلك في صفة وضعه أول ، فقال بعضهم : خلق قبل جميع الأرضين ، ثم دحيت الأرضون من تحته . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا شيبان ، عن الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ، وكان إذا كان عرشه على الماء ، زبدة بيضاء ، فدحيت الأرض من تحته . حدثني محمد بن عبد الله بن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : ثنا خصيف ، قال : سمعت مجاهد ا يقول : إن أول ما خلق الله الكعبة ، ثم دحى الأرض من تحتها . حدثني محمد بن عمرو : قال ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ كقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ أما أول بيت ، فإنه يوم كانت الأرض ماء ، وكان زبدة على الأرض ، فلما خلق الله الأرض ، خلق البيت معها ، فهو أول بيت وضع في الأرض . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً قال : أول بيت وضعه الله عز وجل ، فطاف به آدم ومن بعده . وقال آخرون موضع الكعبة ، موضع أول بيت وضعه الله في الأرض . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط ، قال : اهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي . فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين ، حتى إذا كان زمن الطوفان زمن أغرق الله قوم نوح رفعه الله وطهره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض ، فصار معمورا في السماء . ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك ، فبناه على أساس قديم كان قبله . والصواب من القول في ذلك : ما قال جل ثناؤه فيه : إن أول بيت مبارك وهدى وضع للناس ، للذي ببكة . ومعنى ذلك : إن أول بيت وضع للناس : أي لعبادة الله فيه مباركا وهدى ، يعني بذلك ومآبا لنسك الناسكين وطواف الطائفين ، تعظيما لله وإجلالا له ؛ للذي ببكة ؛ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما : حدثنا به محمد بن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال : قلت يا رسول الله ، أي مسجد وضع أول ؟ قال : " المسجد الحرام " قال : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى " قال : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة " . فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن المسجد الحرام هو أول مسجد وضعه الله في الأرض على ما قلنا ، فأما في وضعه بيتا بغير معنى بيت للعبادة والهدى والبركة ، ففيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضه في هذا الموضع وبعضه في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وأما قوله : لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً فإنه يعني للبيت الذي بمزدحم الناس لطوافهم في حجهم وعمرهم . وأصل البك : الزحم ، يقال منه : بك فلان فلانا : إذا زحمه وصدمه ، فهو . ببكة مباركا ، وهم يتباكون فيه : يعني به : يتزاحمون ويتصادمون فيه ، فكان بكة : " فعله " من بك فلان فلانا : زحمه ، سميت البقعة بفعل المزدحمين بها . فإذا كانت بكة ما وصفنا ، وكان موضع ازدحام الناس حول البيت ، وكان لا طواف يجوز خارج المسجد ، كان معلوما بذلك أن يكون ما حول الكعبة من داخل المسجد ، وأن ما كان خارج المسجد فمكة لا بكة ؛ لأنه لا معنى خارجه يوجب على الناس التباك فيه . وإذا كان ذلك كذلك كان بينا بذلك فساد قول من قال بكة : اسم لبطن مكة ، ومكة : اسم للحرم . ذكر من قال في ذلك ما قلنا ، من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن حصين ، عن أبي مالك الغفاري في قوله :