محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إِسْرائِيلَ وأن الله لم يحرم على إسرائيل ولا على ولده العروق ولا لحوم الإبل وألبانها . وإن ذلك إنما كان شيئا حرمه إسرائيل على نفسه وولده بغير تحريم الله إياه عليهم في التوراة ، وفي كل ما أخبر به عباده من خبر دونكم وأنتم يا معشر اليهود الكذبة في إضافتكم تحريم ذلك إلى الله عليكم في التوراة ، المفترية على الله الباطل في دعواكم عليه غير الحق فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول : فإن كنتم أيها اليهود محقين في دعواكم أنكم على الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله ، فاتبعوا ملة إبراهيم خليل الله ، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضاه الله من خلقه دينا ، وابتعث به أنبياءه ، وذلك الحنيفية ، يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه ، دون اليهودية والنصرانية والمشركة . وقوله : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول : لم يكن يشرك في عبادته أحدا من خلقه ، فكذلك أنتم أيضا أيها اليهود ، فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله ، تطيعونهم كطاعة إبراهيم ربه . وأنتم يا معشر عبدة الأوثان ، فلا تتخذوا الأوثان والأصنام أربابا ، ولا تعبدوا شيئا من دون الله . فإن إبراهيم خليل الرحمن كان دينه إخلاص العبادة لربه وحده ، من غير إشراك أحد معه فيه ، فكذلك أنتم أيضا ، فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا معه في العبادة أحدا ، فإن جميعكم مقرون بأن إبراهيم كان على حق وهدى مستقيم ، فاتبعوا ما قد أجمع جميعكم على تصويبه من ملته الحنيفية ، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها أيها الأحزاب . فإنها بدع أبدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق ، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صواب وحق من ملة إبراهيم هو الحق الذي ارتضيته وابتعثت به أنبيائي ورسلي وسائر ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءني به يوم القيامة . وإنما قال جل ثناؤه : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعنى به : وما كان من عددهم وأوليائهم ، وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم ، ونصرة بعضهم بعضا ، فبرأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو من نصرائهم وأهل ولايتهم . وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين : اليهود والنصارى ، وسائر الأديان غير الحنيفية ، قال : لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة ، ولكنه كان حنيفا مسلما . القول من تأويل قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : إن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين ، الذي ببكة . قالوا : وليس هو أول بيت وضع في الأرض ، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ، قال : قام رجل إلى علي ، فقال : ألا تخبرني عن البيت ، أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ فقال : لا ، ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، قال : سمعت خالد بن عرعرة قال : سمعت عليا ، وقيل له : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ هو أول بيت كان في الأرض ؟ قال : لا قال : فأين كان قوم نوح ؟ وأين كان قوم هود ؟ قال : ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، قال : سأل حفص الحسن وأنا أسمع ، عن قوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً قال : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض . حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي ، قال : ثنا ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر في قوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ قال : قد كانت قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للعبادة . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن ، قوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يعبد الله فيه لَلَّذِي بِبَكَّةَ حدثني المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً قال : وضع للعبادة . وقال آخرون : بل هو أول بيت وضع للناس . ثم اختلف