محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لكان الأمر فيهم على ما قد بينا ، ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحرب ، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم ، ولكنهم الذين كانوا بين أظهر المؤمنين من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ممن كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وعقد من يهود بني إسرائيل . والبغضاء : مصدر ، وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود : " قد بدا بدت البغضاء من أفواههم " ، على وجه التذكير ، وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ المؤنث ، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم ، فيجوز تذكير ما خرج منها على لفظ المؤنث وتأنيثه ، كما قال عز وجل : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ وكما قال : فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وفي موضع آخر : وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وقال : مِنْ أَفْواهِهِمْ وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم ، لأن المعني به الكلام الذي ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم ، فقال : قد بدت البغضاء من أفواههم بألسنتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ يعني تعالى ذكره بذلك : والذي تخفي صدورهم ، يعني صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتخاذهم بطانة فتخفيه عنكم أيها المؤمنون أكبر ، يقول : أكبر مما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ يقول : وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم . حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ يقول : ما تكن صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : قد بينا لكم أيها المؤمنون الآيات ، يعني بالآيات : العبر ، قد بينا لكم من أمر هؤلاء اليهود الذين نهيناكم أن تتخذوهم بطانة من دون المؤمنين ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يعني : إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه ، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم ومبلغ عائدته عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ يعني بذلك جل ثناؤه : ها أنتم أيها المؤمنون الذين تحبونهم ، يقول : تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين ، فتودونهم وتواصلونهم ، وهم لا يحبونكم ، بل ينتظرون لكم العداوة والغش ، وتؤمنون بالكتاب كله . ومعنى الكتاب في هذا الموضع ، معنى الجمع ، كما يقال : أكثر الدرهم في أيدي الناس ، بمعنى الدراهم ، فكذلك قوله : وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ ، إنما معناه : بالكتب كلها كتابكم الذي أنزل الله إليكم ، وكتابهم الذي أنزله إليهم ، وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على عباده . يقول تعالى ذكره : فأنتم إذ كنتم أيها المؤمنون تؤمنون بالكتب كلها ، وتعلمون أن الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم ، كفار بذلك كله ، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم ، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه ، أولى بعداوتكم إياهم ، وبغضائهم وغشهم منهم بعداوتكم وبغضائكم مع جحودهم بعض الكتب وتكذيبهم ببعضها . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي بكتابكم وكتابهم ، وبما مضى من الكتب قبل ذلك ، وهم يكفرون بكتابكم ، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم . وقال : ها أَنْتُمْ أُولاءِ ولم يقل : " هؤلاء أنتم " ، ففرق بين " ها و " أولاء " بكناية اسم المخاطبين ، لأن العرب كذلك تفعل في هذا إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان للذي يحتاج إلى تمام الخبر ، وذلك مثل أن يقال لبعضهم : أين أنت ؟ فيجب المقول ذلك له . ها أنا ذا ، فيفرق بين التنبيه و " ذا " بمكني اسم نفسه ، ولا يكادون يقولون : هذا أنا ، ثم يثني ويجمع على ذلك ، وربما أعادوا حرف التنبيه مع ذا ، فقالوا : ها أنا هذا ولا