محمد بن جرير الطبري
43
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريبا ، فأما إذا كان على غير التقريب والنقصان ، قالوا : هذا هو ، وهذا أنت ، وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة ، يقولون : هذا عمرو قائما ، إن كان هذا تقريبا . وإنما فعلوا ذلك في المكني مع التقريب تفرقة بين هذا إذا كان بمعنى الناقص الذي يحتاج إلى تمام ، وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح . وقوله : تُحِبُّونَهُمْ خبر للتقريب . وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين ، أعني للمؤمنين والكافرين ، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم ، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوي له ويرحمه ، ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه ، ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه لأباد خضراءه . وكان مجاهد يقول : نزلت هذه الآية في المنافقين . حدثني بذلك حمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ يعني بذلك تعالى ذكره : إن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهما بطانة من دونهم ، ووصفهم بصفتهم إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعطوهم بألسنتهم تقية ، حذرا على أنفسهم منهم ، فقالوا لهم : قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون ، عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين ، واجتماع كلمتهم ، وصلاح ذات بينهم ، أنا ملهم ، وهي أطراف أصابعهم ، تغيظا مما بهم من الموحدة عليهم ، وأسى على ظهر يسندون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم ، فصانعوهم بذلك . وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ يقول : مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه لو يجدون ريحا لكانوا على المؤمنين ، فهم كما نعت الله عز وجل . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله ، إلا أنه قال : من الغيظ لكراهتهم الذي هم عليه ، ولم يقل : لو يجدون ريحا وما بعده . حدثنا عباس بن محمد ، قال : ثنا مسلم ، قال : ثني يحيى بن عمرو بن مالك البكري ، قال : ثنا أبي عمرو بن مالك البكري ، قال : كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قال : هم الإباضية . والأنامل : جمع أنملة ، ويقال أنملة ، وربما جمعت أنملا ، قال الشاعر : أودكما ما بل حلقي ريقتي * وما حملت كفاي أنملي العشرا وهي أطراف الأصابع ؛ كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، الأنامل : أطراف الأصابع . حدثنا عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، بمثله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدى : وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ الأصابع . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قوله : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قال : عضوا على أصابعهم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم ، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك ، قالوا آمنا ، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ . موتوا