محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ فقال بعضهم معناه : ودوا ما ضللتم عن دينكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال . : ثنا أسباط ، عن السدي : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ يقول : ما ضللتم . وقال آخرون بما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ يقول في دينكم ، يعني : أنهم يودون أن تعنتوا في دينكم . فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ فجاء بالخبر عن البطانة بلفظ الماضي في محل الحال والقطع بعد تمام الخبر ، والحالات التي لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها ؟ قيل : ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أن قوله : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ حال من البطانة ، وإنما هو خبر عنهم ثان ، منقطع عن الأول غير متصل به . وإنما تأويل الكلام : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا صفتهم كذا . فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى ، وإن كانتا جميعا من صفة شخص واحد . وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ من صلة البطانة ، وقد وصلت بقوله : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام البطانة بصلته ، ولكن القول في ذلك كما بينا قبل من أن قوله : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ خبر مبتدأ عن البطانة غير الخبر الأول ، وغير حال من البطانة ولا قطع منها . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يعني بذلك جل ثناؤه : قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم بأفواههم ، يعني بألسنتهم . والذي بدا لهم منهم بألسنتهم إقامتهم على كفرهم ، وعدواتهم من خالف ما هم عليه مقيمون من الضلالة ، فذلك من أوكد الأسباب من معاداتهم أهل الإيمان ، لأن ذلك عداوة على الدين ، والعداوة على الدين ، العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما ، وذلك انتقال من هدى إلى ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك ، فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين ومقامهم عليه أبين الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة . وقد قال بعضهم : معنى قوله : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر باطلاع بعضهم بعضا على ذلك . وزعم قائلوا هذه المقالة أن الذين عنوا بهذه الآية : أهل النفاق ، دون من كان مصرحا بالكفر من اليهود وأهل الشرك . ذكر من قال ذلك حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يقول : قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار ، من غشهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يقول : من أفواه المنافقين . وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة قول لا معنى له ، وذلك أن الله تعالى ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله ، والبغضاء إما بأدلة ظاهرة دالة على أن ذلك من صفتهم ، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم . فأما من لم يثبتوه معرفة أنه الذي نهاهم الله عز وجل عن مخالته ومباطنته ، فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته إلا بعد تعريفهم إياهم ، إما بأعيانهم وأسمائهم ، وإما بصفات قد عرفوهم بها . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار ، غير مدرك به المؤمنون معرفة ما هم عليه لهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم لهم والتودد إليهم ، كان بينا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم ، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم على ما وصفهم الله عز وجل به ، فعرفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها ، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ممن كان له ذمة وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب ، لأنهم لو كانوا المنافقين