محمد بن جرير الطبري

40

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أخلاء وأصفياء ثم عرفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة ، وبغيهم إياهم الغوائل ، فحذرهم بذلك منهم على مخالفتهم ، فقال تعالى ذكره : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا يعني لا يستطيعون شرا ، من ألوت ألوا ، يقال : ما ألا فلان كذا ، أي ما استطاع ، كما قال الشاعر : جهراء لا تألو إذا هي أظهرت * بصرا ولا من علية تغنيني يعني لا تستطيع عند الظهر إبصارا . وإنما يعني جل ذكره بقوله : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا البطانة التي نهى المؤمنين عن اتخاذها من دونهم ، فقال : إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالا : أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال . وأصل الخبل والخبال : الفساد ، ثم يستعمل في معان كثيرة يدل على ذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من أصيب بخبل أو جراح " . وأما قوله : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ فإنه يعني : ودوا عنتكم ، يقول : يتمنون لكم العنت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسركم . ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم ، ويصادفونهم المودة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام ، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : قال محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية ، فأنزل الله عز وجل فيهم ، فنهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم منهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ إلى قوله : وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا في المنافقين من أهل المدينة ، نهى الله عز وجل المؤمنين أن يتولوهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ نهى الله عز وجل المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين أو يؤاخوهم ، أي يتولوهم من دون المؤمنين . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ هم المنافقون . حدثت عن عمار . قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا يقول : لا تستدخلوا المنافقين ، تتولوهم دون المؤمنين . حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام بن حوشب ، عن الأزهر بن راشد ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تستضيئوا بنار أهل الشرك ، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " قال : فلم ندر ما ذلك حتى أتوا الحسن فسألوه ، فقال : نعم ، أما قوله : " لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " ، فإنه يقول : لا تنقشوا في خواتيمكم " محمد " ؛ وأما قوله : " ولا تستضيئوا بنار أهل الشرك " ، فإنه يعني به المشركين ، يقول : لا تستشيروهم في شيء من أموركم . قال : قال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب الله ، ثم تلا هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ أما البطانة : فهم المنافقون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية ، قال : لا يستدخل المؤمن المنافق دون أخيه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية ، قال : هؤلاء المنافقون ، وقرأ قوله : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ الآية . واختلفوا في تأويل قوله