محمد بن جرير الطبري
39
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا قال : نفقة الكافر في الدنيا . وقال آخرون : بل ذلك قوله الذي يقوله بلسانه مما لا يصدقه بقلبه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ يقول : مثل ما يقول فلا يقبل منه كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون ، فأصابه ريح فيها صر أصابته فأهلكته . فكذلك أنفقوا فأهلكهم شركهم . وقد بينا أولى ذلك بالصواب قبل . وقد تقدم بياننا تأويل الحياة الدنيا بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع . وأما الصر ، فإنه شدة البرد ، وذلك بعصوف من الشمال في إعصار الطل والأنداء في صبيحة معتمة بعقب ليلة مصحية . كما : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان بن غياث ، قال : سمعت عكرمة يقول : رِيحٍ فِيها صِرٌّ قال : برد شديد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس : رِيحٍ فِيها صِرٌّ قال : برد شديد وزمهرير . حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : رِيحٍ فِيها صِرٌّ يقول : برد . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : الصر : البرد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أي برد شديد . حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدى في الصر : البرد الشديد . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ يقول : ريح فيها برد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : رِيحٍ فِيها صِرٌّ قال : صر باردة أهلكت حرثهم . قال : والعرب تدعوها الضريب : تأتي الريح باردة فتصبح ضريبا قد أحرق الزرع ، تقول : " قد ضرب الليلة " أصابه ضريب تلك الصر التي أصابته . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا جويبر ، عن الضحاك : رِيحٍ فِيها صِرٌّ قال : ريح فيها برد . القول في تأويل قوله : وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم ، من إحباطه ثواب أعمالهم ، وإبطاله أجورها ظلما منه لهم ، يعني : وضعا منه لما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله ، بل وضع فعله ذلك في موضعه ، وفعل بهم ما هم أهله ، لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله ، وهم له بالوحدانية دائنون ولأمره متبعون ، ولرسله مصدقون . بل كان ذلك منهم وهم به مشركون ، ولأمره مخالفون ، ولرسله مكذبون ، بعد تقدم منه إليهم أنه لا يقبل عملا من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له ، والإقرار بنبوة أنبيائه ، وتصديق ما جاءوهم به ، وتوكيده الحجج بذلك عليهم . فلم يكن بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره في ذلك بعد الإعذار إليه من إحباط وافر عمله له ظالما ، بل الكافر هو الظالم نفسه لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره ما أوردها به نار جهنم وأصلاها به سعير سقر . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ يعني بذلك تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم ، لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ يقول : لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دونكم ، يقول : من دون أهل دينكم وملتكم ، يعني من غير المؤمنين . وإنما جعل البطانة مثلا لخليل الرجل فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطلاعه على أسراره ، وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه ، محل ما ولي جسده من ثيابه ، فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به