محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بقولهما على ما روينا عنهم ، وإن كان سائر الأقوال الأخر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك . وذلك أن معنى قوله : قائِمَةٌ مستقيمة على الهدى ، وكتاب الله وفرائضه ، وشرائع دينه ، بالعدل والطاعة ، وغير ذلك من أسباب الخير من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ونظير ذلك الخبر الذي رواه النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم ركبوا سفينة ، ثم ضرب لهم مثلا " فالقائم على حدود الله هو الثابت على التمسك بما أمر الله به واجتناب ما نهاه الله عنه . فتأويل الكلام : من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله ، متمسكة به ، ثابتة على العمل بما فيه ، وما سن له رسوله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يعني بقوله : يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يقرءون كتاب الله آناء الليل ، ويعني بقوله : آياتِ اللَّهِ ما أنزل في كتابه من العبر والمواعظ ، يقول : يتلون ذلك آناء الليل ، يقول : في ساعات الليل ، فيتدبرونه ويتفكرون فيه . وأما آناءَ اللَّيْلِ فساعات الليل ، واحدها : إني ، كما قال الشاعر : حلو ومر كعطف القدح مرته * في كل إني قضاة الليل ينتعل وقد قيل إن واحد الآناء : إني مقصور ، كما واحد الأمعاء : معي . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : ساعات الليل ، كما قلنا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ أي ساعات الليل . حدثت عن عمار ، قال : ثنا أبن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : آناءَ اللَّيْلِ ساعات الليل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال عبد الله بن كثير : سمعنا العرب تقول : آناءَ اللَّيْلِ ساعات الليل . وقال آخرون آناءَ اللَّيْلِ جوف الليل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ أما آناء الليل : فجوف الليل . وقال آخرون : بل عني بذلك قوم كانوا يصلون العشاء الأخيرة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن الحسن بن يزيد العجلي ، عن عبد الله بن مسعود في قوله : يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ صلاة العتمة ، هم يصلونها ، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زخر ، عن سليمان ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كان عند بعض أهله ونسائه ، فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليل ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع ، فبشرنا وقال : " إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب " ، فأنزل الله : لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ حدثني يونس ، قال : ثنا علي بن معبد ، عن أبي يحيى الخراساني ، عن نصر بن طريف ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء يريد العتمة فقال لنا : " ما على الأرض أحد من أهل الأديان ينتظر هذة الصلاة في هذا الوقت غيركم " قال : فنزلت : لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ وقال آخرون : بل عني بذلك قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن منصور ، قال : بلغني أنها نزلت : لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ فيما بين المغرب والعشاء . وهذه الأقوال التي ذكرتها على اختلافها متقاربة المعاني ، وذلك أن الله تعالى ذكره ، وصف هؤلاء القوم ، بأنهم يتلون آيات الله في ساعات الليل ، وهي آناؤه ، وقد يكون تاليها في