محمد بن جرير الطبري

37

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلاة العشاء تاليا لها آناء الليل ، وكذلك من تلاها فيما بين المغرب والعشاء ، ومن تلاها جوف الليل ، فكل تال له ساعات الليل . غير أن أولى الأقوال بتأويل الآية ، قول من قال : عني بذلك : تلاوة القرآن في صلاة العشاء ، لأنها صلاة لا يصليها أحد من أهل الكتاب ، فوصف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله . وأما قوله : وَهُمْ يَسْجُدُونَ فإن بعض أهل العربية زعم أن معنى السجود في هذا الموضع اسم الصلاة لا السجود ، لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع ، فكان معنى الكلام عنده : يتلون آيات الله آناء الليل وهم يصلون ، وليس المعنى على ما ذهب إليه ، وإنما معنى الكلام : من أهل الكتاب أمة قائمة ، يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم ، وهم مع ذلك يسجدون فيها ، فالسجود هو السجود المعروف في الصلاة . القول في تأويل قوله تعالى : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . وَيُسارِعُونَ فِي يعني بقوله جل وعز : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يصدقون بالله ، وبالبعث بعد الممات ، ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم ؛ وليسوا كالمشركين الذين يجحدون وحدانية الله ، ويعبدون معه غيره ، ويكذبون بالبعث بعد الممات ، وينكرون المجازاة على الأعمال والثواب والعقاب . وقوله : وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يقول : يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله ، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاءهم به . وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يقول : وينهون الناس عن الكفر بالله ، وتكذيب محمد ، وما جاءهم به من عند الله : يعني بذلك : أنهم ليسوا كاليهود والنصارى ، الذي يأمرون الناس بالكفر ، وتكذيب محمد فيما جاءهم به ، وينهونهم عن المعروف من الأعمال ، وهو تصديق محمد فيما أتاهم به من عند الله . وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يقول : ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم . ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب هم من عداد الصالحين ، لأن من كان منهم فاسقا قد باء بغضب من الله ، لكفره بالله وآياته ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وعصيانه ربه ، واعتدائه في حدوده . القول في تأويل قوله تعالى : وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة : وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ جميعا ، ردا على صفة القوم الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وقرأته عامة قراء المدينة والحجاز وبعض قراء الكوفة بالتاء في الحرفين جميعا : " وما تفعلوا من خير فلن تكفروه " بمعنى : وما تفعلوا أنتم أيها المؤمنون من خير فلن يكفركموه ربكم . وكان بعض قراء البصرة يرى القراءتين في ذلك جائزا بالياء والتاء في الحرفين . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بالياء في الحرفين كليهما ، يعني بذلك الخبر عن الأمة القائمة ، التالية آيات الله . وإنما اخترنا ذلك ، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم ، فإلحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم بمعاني الآيات قبلها أولى من صرفها عن معاني ما قبلها . وبالذي اخترنا من القراءة كان ابن عباس يقرأ . حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرؤهما جميعا بالياء . فتأويل الآية إذا على ما اخترنا من القراءة : وما تفعل هذه الأمة من خير ، وتعمل من عمل لله فيه رضا فلن يكفرهم الله ذلك ؛ يعني بذلك : فلن يبطل الله ثواب عملهم ذلك ، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ، ولكنه يجزل لهم الثواب عليه ، ويسني لهم الكرامة والجزاء . وقد دللنا على معنى الكفر فيما مضى قبل بشواهده ، وأن أصله تغطية الشيء فكذلك ذلك في قوله : فَلَنْ يُكْفَرُوهُ فلن يغطي على ما فعلوا من خير ، فيتركوا بغير مجازاة ، ولكنهم يشكرون على ما فعلوا