محمد بن جرير الطبري

83

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بفتح " أن " من " كي " ونسق الثاني ، أعني " فتذكر " على " تضل " ، ليعلم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فيه وهو ظاهر قد دل عليه وأدى عن معناه وعمله ، أي عن " كي " . وإنما اخترنا ذلك في القراءة لإِجماع الحجة من قدماء القراء والمتأخرين على ذلك ، وانفراد الأَعمش ومن قرأ قراءته في ذلك بما انفرد به عنهم ، ولا يجوز ترك قراءة جاء بها المسلمون مستفيضة بينهم إلى غيرها . وأما اختيارنا " فتذكر " بتشديد الكاف ، فإنه بمعنى تأدية الذكر من إحداهما على الأَخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر ، فالتشديد به أولى من التخفيف . وأما ما حكي عن ابن عيينة من التأويل الذي ذكرناه ، فتأويل خطأ لا معنى له لوجوه شتى : أحدها : أنه خلاف لقول جميع أهل التأويل . والثاني : أنه معلوم بأن ضلال إحدى المرأتين في الشهادة التي شهدت عليها إنما هو خطؤها عنها بنسيانها إياها كضلال الرجل في دينه إذا تحير فيه ، فعدل عن الحق ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأَخرى ذكرا معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فيها ؟ فالضالة منهما في شهادتها حينئذ لا شك أنها إلى التذكير أحوج منها إلى الإِذكار ، إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستجرئها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته ، فقوتها بالذكر حتى صيرتها كالرجل في قوتها في ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك ، كما يقال للشيء القوي في عمله : ذكر ، وكما يقال للسيف الماضي في ضربه : سيف ذكر ، ورجل ذكر ، يراد به ماض في عمله ، قوي البطش ، صحيح العزم . فإن كان ابن عيينة هذا أراد ، فهو مذهب من مذاهب تأويل ذلك ؟ إلا أنه إذا تأول ذلك كذلك ، صار تأويله إلى نحو تأويلنا الذي تأولناه فيه ، وإن خالفت القراءة بذلك المعنى القراءة التي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بالذي اختار قراءته من تخفيف الكاف من قوله : فتذكر ، ولا نعلم أحدا تأول ذلك كذلك ، ويستحب قراءته كذلك بذلك المعنى . فالصواب في قوله إذ كان الأَمر عاما على ما وصفنا ما اخترنا . ذكر من تأول قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى نحو تأويلنا الذي قلنا فيه : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى علم الله أن ستكون حقوق شهود الدين ، فأخذ لبعضهم من بعض الثقة ، فخذوا بثقة الله ، فإنه أطوع لربكم ، وأدرك لأَموالكم . ولعمري لئن كان تقيا لا يزيده الكتاب إلا خيرا ، وإن كان فاجرا فبالحري أن يؤدي إذا علم أن عليه شهودا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى يقول : أن تنسى إحداهما فتذكرها الأَخرى . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما يقول : تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأَخرى . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما يقول : إن تنس إحداهما ، تذكرها الأَخرى . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى قال : كلاهما لغة وهما سواء ، ونحن نقرأ : فَتُذَكِّرَ القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا اختلف أهل التأويل في الحال التي نهى الله الشهداء عن إباء الإِجابة إذا دعوا بهذه الآية ، فقال بعضهم : معناه : لا يأب الشهداء أن يجيبوا إذا دعوا ليشهدوا شهود الدين على الكتاب والحقوق . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله تعالى : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا