محمد بن جرير الطبري

82

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رِجالِكُمْ شهود الدين أمر الله عز وجل أن يشهدوا ذوي عدل من رجالهم ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ القول في تأويل قوله تعالى : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ عامة أهل الحجاز والمدينة وبعض أهل العراق : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى بفتح الأَلف من " أن " ونصب " تضل " و " تذكر " ، بمعنى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كي تذكر إحداهما الأَخرى إن ضلت . وهو عندهم من المقدم الذي معناه التأخير ؛ لأَن التذكير عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان تضل ، لأَن المعنى ما وصفنا في قولهم . وقالوا : إنما نصبنا " تذكر " ، لأَن الجزاء لما تقدم اتصل بما قبله فصار جوابه مردودا عليه ، كما تقول في الكلام : إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى ، بمعنى أنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل أو إذا سأل ، فالذي يعجبك هو الإِعطاء دون المسألة . ولكن قوله " أن يسأل " لما تقدم اتصل بما قبله ، وهو قوله : " ليعجبني " فتح " أن " ونصب بها ، ثم أتبع ذلك قوله : " يعطى " ، فنصبه بنصب قوله : " ليعجبني أن يسأل " ، نسقا عليه ، وإن كان في معنى الجزاء . وقرأ ذلك آخرون كذلك ، غير أنهم كانوا يقرءونه بتسكين الذال من " تذكر " وتخفيف كافها . وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويل قراءتهم إياه كذلك . وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه : فتصير إحداهما الأَخرى ذكرا باجتماعهما ، بمعنى أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها جازت ، كما تجوز شهادة الواحد من الذكور في الدين ، لأَن شهاده كل واحدة منهما منفردة غير جائزة فيما جازت فيه من الديون إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحد ، فتصير شهادتهما حينئذ منزلة شهادة واحد من الذكور شهود الدين . فكأن كل واحدة منهما في قول متأولي ذلك بهذا المعنى صيرت صاحبتها معها ذكرا ؛ وذهب إلى قول العرب : لقد أذكرت بفلان أمه ، أي ولدته ذكرا ، فهي تذكر به ، وهي امرأة مذكرة إذا كانت تلد الذكور من الأَولاد . وهذا قول يروى عن سفيان بن عيينة أنه كان يقوله . حدثت بذلك عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال : حدثت عن سفيان بن عيينة أنه قال : ليس تأويل قوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى من الذكر بعد النسيان إنما هو من الذكر ، بمعنى أنها إذا شهدت مع الأَخرى صارت شهادتهما كشهادة الذكر . وقال آخرون منهم : يوجهونه إلى أنه بمعنى الذكر بعد النسيان . وقرأ ذلك آخرون : " إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأَخرى " بكسر " إن " من قوله : " إن تضل " ورفع " تذكر " وتشديده . كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان ، إن نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأَخرى من تثبيت الذاكرة الناسية وتذكيرها ذلك ، وانقطاع ذلك عما قبله . ومعنى الكلام عند قارئ ذلك كذلك : واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ، فإن إحداهما إن ضلت ذكرتها الأَخرى ؛ على استئناف الخبر عن فعلها إن نسيت إحداهما شهادتها من تذكير الأَخرى منهما صاحبتها الناسية . وهذه قراءة كان الأَعمش يقرؤها ومن أخذها عنه . وإنما نصب الأَعمش " تضل " لأَنها في محل جزم بحرف الجزاء ، وهو " إن " . وتأويل الكلام على قراءته : إن تضلل ، فلما أدغمت إحدى اللامين في الأَخرى حركها إلى أخف الحركات ورفع تذكر بالفاء ، لأَنه جواب الجزاء . والصواب من القراءة عندنا في ذلك قراءة من قرأه بفتح " أن " من قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما وبتشديد الكاف من قوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ونصب الراء منه ، بمعنى : فإن لم يكونا رجلين فليشهد رجل وامرأتان في إن ضلت إحداهما ذكرتها الأَخرى . وأما نصب " فتذكر " فبالعطف على " تضل " ، وفتحت " أن " بحلولها محل " كي " ، وهي في موضع جزاء ، والجواب بعده اكتفاء بفتحها ، أعني