محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً يعني بذلك : فليكتب الكاتب كتابة الدين ، وليملل الذي عليه الحق ، وهو الغريم المدين . يقول : ليتول المدين إملال كتاب ما عليه من دين رب المال على الكاتب ، وليتق الله ربه المملي الذي عليه الحق ، فليحذر عقابه في بخس الذي له الحق من حقه شيئا ، أن ينقصه منه ظلما ، أو يذهب به منه تعديا ، فيؤخذ به حيث لا يقدر على قضائه إلا من حسناته ، أو أن يتحمل من سيئاته . كما : حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فكان هذا واجبا كتابة الدين ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً يقول : لا يظلم منه شيئا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً كتابة الدين قال : لا ينقص من حق هذا الرجل شيئا إذا أملى . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ يعني بقوله جل ثناؤه : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً كتابة الدين فإن كان المدين الذي عليه المال سفيها ، يعني جاهلا بالصواب في الذي عليه أن يمله على الكاتب . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً كتابة الدين أما السفيه : فالجاهل بالإِملاء والأَمور . وقال آخرون : بل السفيه في هذا الموضع الذي عناه الله كتابة الدين : الطفل الصغير . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أما السفيه : فهو الصغير كتابة الدين . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً قال : هو الصبي الصغير ، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ كتابة الدين وأولى التأويلين بالآية ، تأويل من قال : السفيه في هذا الموضع : الجاهل بالإِملاء وموضع صواب ذلك من خطئه ، لما قد بينا قبل من أن معنى السفه في كلام العرب : الجهل . وقد يدخل في قوله : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً كل جاهل بصواب ما يمل من خطئه من صغير وكبير ، وذكر وأنثى . غير أن الذي هو أولى بظاهر الآية أن يكون مرادا بها كل جاهل بموضع خطأ ما يمل وصوابه من بالغي الرجال الذين لا يولى عليهم ، والنساء ؛ لأَنه أجل ذكره ابتدأ الآية بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى والصبي ومن يولى عليه لا يجوز مداينته ، وأن الله عز وجل قد استثنى من الذين أمرهم بإملال كتاب الدين كتابة الدين مع السفيه الضعيف ومن لا يستطيع إملاله ، ففي فصله جل ثناؤه الضعيف من السفيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب في الصفة التي وصف بها كل واحد منهم ما أنبأ عن أن كل واحد من الأَصناف الثلاثة الذين بين الله صفاتهم غير الصنفين الآخرين . وإذا كان ذلك كذلك ، كان معلوما أن الموصوف بالسفه منهم دون الضعف هو ذو القوة على الإِملال ، غير أنه وضع عنه فرض الإِملال بجهله بموضع صواب ذلك من خطئه ، وأن الموصوف بالضعف منهم هو العاجز عن إملاله وإن كان شديدا رشيدا إما لعي لسانه أو خرس به ، وأن الموصوف بأنه لا يستطيع أن يمل هو الممنوع من إملاله ، إما بالحبس الذي لا يقدر معه على حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فيمل عليه ، وإما لغيبته عن موضع الإِملال فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب . فوضع الله عنهم فرض إملال ذلك للعلل التي وصفنا إذا كانت بهم ، وعذرهم بترك الإِملال من أجلها ، وأمر عند سقوط فرض ذلك عليهم ولي الحق بإملاله فقال : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ يعني ولي الحق . ولا وجه لقول من زعم أن السفيه في هذا الموضع هو الصغير ، وأن الضعيف هو الكبير الأَحمق ؛ لأَن ذلك إن كان كما قال يوجب أن يكون قوله : أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ هو العاجز من