محمد بن جرير الطبري
79
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فراغه . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ كتابة الدين يقول : لا يأب كاتب أن يكتب إن كان فارغا . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم كتابة الدين ، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل ، وأمر الله فرض لازم ، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب . ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك ، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك ندب وإرشاد ، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه ، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه . ولا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأَمر بذلك منسوخ بقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ لأَن ذلك إنما أذن الله تعالى ذكره به ، حيث لا سبيل إلى الكتاب ، أو إلى الكاتب فأما والكتاب والكاتب موجودان ، فالفرض إذا كان الدين إلى أجل مسمى ما أمر الله تعالى ذكره به في قوله : فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة على السبيل التي قد بيناها ، فأما ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر ، فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء . ولو وجب أن يكون قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ناسخا قوله : إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ لوجب أن يكون قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ناسخا الوضوء بالماء في الحضر عند وجود الماء فيه ، وفي السفر الذي فرضه الله عز وجل بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وأن يكون قوله في كفارة الظهار : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ناسخا قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فيسأل القائل إن قول الله عز وجل : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ناسخ قوله : إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم وما ذكرنا قوله ، فزعم أن كل ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة ناسخ حكمه في حال الضرورة حكمه في كل أحواله ، نظير قوله في أن الأَمر باكتتاب كتب الديون والحقوق منسوخ بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ؟ فإن قال : الفرق بيني وبينه أن قوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً كلام منقطع عن قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وقد انتهى الحكم في السفر إذا عدم فيه الكاتب بقوله : فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وإنما عنى بقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ، فأمن بعضكم بعضا ، فليؤد الذي اؤتمن أمانته . قيل له : وما البرهان على ذلك من أصل أو قياس وقد انقضى الحكم في الدين الذي فيه إلى الكاتب والكتاب سبيل بقوله : وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ؟ وأما الذين زعموا أن قوله : فَاكْتُبُوهُ وقوله : وَلا يَأْبَ كاتِبٌ على وجه الندب والإِرشاد ، فإنهم يسألون البرهان على دعواهم في ذلك ، ثم يعارضون بسائر أمر الله عز وجل الذي أمر في كتابه ، ويسألون الفرق بين ما ادعوا في ذلك وأنكروه في غيره ، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا بالآخر مثله . ذكر من قال العدل في قوله : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ الحق . القول في تأويل قوله تعالى :