محمد بن جرير الطبري
71
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إلى : وَلا تُظْلَمُونَ قال : نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية ، سلفا في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو ، وهم بنو عمرو بن عمير ، فجاء الإِسلام ولهما أموال عظيمة في الربا ، فأنزل الله ذَرُوا ما بَقِيَ من فضل كان في الجاهلية مِنَ الرِّبا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال : كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما لهم من ربا على الناس ، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع . فلما كان الفتح ، استعمل عتاب بن أسيد على مكة ، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية ، فجاء الإِسلام ولهم عليهم مال كثير . فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم ، فأبي بنو المغيرة أن يعطوهم في الإِسلام ، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد ، فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى : وَلا تُظْلَمُونَ ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب وقال : " إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب " . قال ابن جريج ، عن عكرمة قوله : اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا . قال : كانوا يأخذون الربا على بني المغيرة يزعمون أنهم مسعود وعبد يا ليل وحبيب وربيعة بنو عمرو بن عمير ، فهم الذين كان لهم الربا على بني المغيرة ، فأسلم عبد يا ليل وحبيب وربيعة وهلال ومسعود . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال : كان ربا يتبايعون به في الجاهلية ، فلما أسلموا أمروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ يعني جل ثناؤه بقوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فإن لم تذروا ما بقي من الربا . واختلف القراء في قراءة قوله : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فقرأته عامة قراء أهل المدينة : فَأْذَنُوا بقصر الأَلف من فأذنوا وفتح ذالها ، بمعنى وكونوا على علم وإذن . وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قراء الكوفيين : " فأذنوا " بمد الأَلف من قوله : " فأذنوا " وكسر ذالها ، بمعنى : فأذنوا غيركم ، أعلموهم وأخبروهم بأنكم على حربهم . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك ، قراءة من قرأ : فَأْذَنُوا بقصر ألفها وفتح ذالها ، بمعنى : اعلموا ذلك واستيقنوه ، وكونوا على إذن من الله عز وجل لكم بذلك . وإنما اخترنا ذلك ، لأَن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلى من أقام على شركه الذي لا يقر على المقام عليه ، وأن يقتل المرتد عن الإِسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإِسلام ، أذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يأذنوه ، فإذ كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين ، إما أن يكون كان مشركا مقيما على شركه الذي لا يقر عليه ، أو يكون كان مسلما فارتد وأذن بحرب ، فأي الأَمرين كان ، فإنما نبذ إليه بحرب ، لا أنه أمر بالإِيذان بها إن عزم على ذلك ، لأَن الأَمر إن كان إليه فأقام على أكل الربا مستحلا له ، ولم يؤذن المسلمون بالحرب ، لم يلزمهم حربه ، وليس ذلك حكمه في واحدة من الحالين ، فقد علم أنه المأذون بالحرب لا الآذن بها . وعلى هذا التأويل تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إلى قوله : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه ، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه ، فإن نزع ، وإلا ضرب عنقه . حدثني المثنى ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، قال : ثني أبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، قال : ثني أبي ، عن سعيد بن