محمد بن جرير الطبري
69
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يكذبون ويفترون ويقولون إنما البيع الذي أحله الله لعباده مثل الربا ، وذلك أن الذين كانوا يأكلون الربا من أهل الجاهلية ، كان إذا حل مال أحدهم على غريمه يقول الغريم لغريم الحق زدني في الأَجل وأزيدك في مالك ، فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك : هذا ربا لا يحل ، فإذا قيل لهما ذلك ، قالا : سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل المال فكذبهم الله في قيلهم ، فقال : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا . . . أَصْحابُ النَّارِ هُمْ يعني جل ثناؤه : وأحل الله الأَرباح في التجارة والشراء والبيع ، وحرم الربا يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأَجل ، وتأخيره دينه عليه . يقول عز وجل : وليست الزيادتان اللتان إحداهما من وجه البيع ، والأَخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأَجل سواء ، وذلك أني حرمت إحدى الزيادتين ، وهي التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأَجل ؛ وأحللت الأَخرى منهما ، وهي التي من وجه الزيادة على رأس المال الذي ابتاع به البائع سلعته التي يبيعها فيستفضل فضلها ، فقال الله عز وجل ليست الزيادة من وجه البيع نظير الزيادة من وجه الربا ، لأَني أحللت البيع ، وحرمت الربا ، والأَمر أمري والخلق خلقي ، أقضي فيهم ما أشاء ، وأستعبدهم بما أريد ، ليس لأَحد منهم أن يعترض في حكمي ، ولا أن يخالف في أمري ، وإنما عليهم طاعتي والتسليم لحكمي . ثم قال جل ثناؤه : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى يعني بالموعظة : التذكير والتخويف الذي ذكرهم وخوفهم به في آي القرآن ، وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب ، يقول جل ثناؤه : فمن جاءه ذلك فانتهى عن أكل الربا ، وارتدع عن العمل به ، وانزجر عنه فَلَهُ ما سَلَفَ يعني ما أكل الربا ، وأخذ فمضى قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يعني وأمر آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم ، وبعد انتهاء آكله عن أكله إلى الله في عصمته وتوفيقه ، إن شاء عصمه عن أكله وثبته في انتهائه عنه ، وإن شاء خذله عن ذلك . وَمَنْ عادَ يقول : ومن عاد لأَكل الربا بعد التحريم ، وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم من قوله : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني ففاعلو ذلك وقائلوه هم أهل النار ، يعني نار جهنم فيها خالدون . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال ؛ ثنا أسباط ، عن السدي : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أما الموعظة فالقرآن ، وأما ما سلف فله ما أكل من الربا . القول في تأويل قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا يعني عز وجل بقوله : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ينقص الله الربا فيذهبه . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا قال : ينقص . وهذا 000 ابن عباس قال : ينقص نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الربا وإن كثر فإلى قل " . وأما قوله : وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ فإنه جل ثناؤه يعني : أنه يضاعف أجرها لربها ، وينميها له . وقد بينا معنى الربا قبل والإِرباء وما أصله ، بما فيه الكفاية من إعادته . فإن قال لنا قائل : وكيف إرباء الله الصدقات ؟ قيل : إضعافه الأَجر لربها ، كما قال جل ثناؤه : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وكما قال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وكما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا عباد بن منصور ، عن القاسم أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه ، فيربيها لأَحدكم كما يربي أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " . وتصديق دلك في كتاب الله عز