محمد بن جرير الطبري

66

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

آثار المجهود من الفاقة والحاجة ، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثياب الرثة ، فيتزيا بزي أهل الحاجة ، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختل ذو فاقة ، وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه ، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته . القول في تأويل قوله تعالى : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً . يقال : قد ألحف السائل في مسألته إذا ألح فهو يلحف فيها إلحافا . فإن قال قائل : أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف ؟ قيل : غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة ، إلحافا أو غير إلحاف ، وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف ، وأنهم إنما كانوا يعرفون بسيماهم ، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفف ، ولم يكن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأَدلة والعلامة حاجة ، وكانت المسألة الظاهرة تنبئ عن حالهم وأمرهم . وفي الخبر الذي : حدثنا به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن هلال بن حصن ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أعوزنا مرة فقيل لي : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته . فانطلقت إليه معنقا ، فكان أول ما واجهني به : " من استعف أعفه الله ، ومن استغنى أغناه الله ، ومن سألنا لم ندخر عنه شيئا نجده " ، قال : فرجعت إلى نفسي ، فقلت : ألا أستعف فيعفني الله فرجعت فما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة حتى مالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله . الدلالة الواضحة على أن التعفف معنى ينفي معنى المسألة من الشخص الواحد ، وأن من كان موصوفا بالتعفف فغير موصوف بالمسألة إلحافا أو غير إلحاف . فإن قال قائل : فإن كان الأَمر على ما وصفت ، فما وجه قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وهم لا يسألون الناس إلحافا أو غير إلحاف ؟ قيل له : وجه ذلك أن الله تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف وعرف عباده أنهم ليسوا أهل مسألة بحال بقوله : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ وأنهم إنما يعرفون بالسيما ، زاد عباده إبانة لأَمرهم ، وحسن ثناء عليهم بنفي الشره والضراعة التي تكون في الملحين من السؤال عنهم . وقال : كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل : فلما رأيت مثل فلان ، ولعله لم يره مثله أحدا ولا نظيرا . وبنحو الذي قلنا في معنى الإِلحاف قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً قال : لا يلحفون في المسألة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً قال : هو الذي يلح في المسألة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إن الله يحب الحليم الغني المتعفف ، ويبغض الغني الفاحش البذي السائل الملحف " قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إن الله عز وجل كره لكم ثلاثا ، قيل وقال ، وإضاعة المال وكثرة السؤال " فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدر ليلته ، حتى يلقى جيفة على فراشه ، لا يجعل الله له من نهاره ولا ليلته نصيبا ، وإذا شئت رأيته ذا مال في شهوته ولذاته وملاعبه ، ويعدله عن حق الله ، فذلك إضاعة المال ، وإذا شئت رأيته باسطا ذراعيه ، يسأل الناس في كفيه ، فإذا أعطي أفرط في مدحهم ، وإن منع أفرط في ذمهم . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا معتمر ، عن أيمن بن نابل ، قال : حدثني شيخ من غافق : أن أبا الدرداء كان