محمد بن جرير الطبري

67

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ينظر إلى الخيل مربوطة بين البراذين والهجن ، فيقول : أهل هذه يعني الخيل من الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ، فلهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وقال آخرون : عنى بذلك قوما أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ إلى قوله : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ هؤلاء أهل الجنة ؛ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " المكثرون هم الأَسفلون " . قالوا : يا نبي الله إلا من ؟ قال : " المكثرون هم الأَسفلون " ، قالوا : يا نبي الله إلا من ؟ قال : " المكثرون هم الأَسفلون " . قالوا : يا نبي الله إلا من ؟ حتى خشوا أن تكون قد مضت فليس لها رد ، حتى قال : " إلا من قال بالمال هكذا وهكذا " عن يمينه وعن شماله ، " وهكذا " بين يديه " وهكذا " خلفه ، " وقليل ما هم ، هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله التي افترض وارتضى في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد " . وقد قيل : إن هذه الآيات من قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ إلى قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ كان مما يعمل به قبل نزول ما في سورة براءة من تفصيل الزكوات ، فلما نزلت براءة قصروا عليها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ إلى قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فكان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة ، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ يعني بذلك جل ثناؤه : الذين يربون ، والإِرباء : الزيادة على الشيء ، يقال منه : أربى فلان على فلان إذا زاد عليه يربي إرباء ، والزيادة هي الربا ، وربا الشيء : إذا زاد على ما كان عليه فعظم ، فهو يربو ربوا . وإنما قيل للرابية لزيادتها في العظم والإِشراف على ما استوى من الأَرض مما حولها من قولهم ربا يربو ، ومن ذلك قيل : فلان في ربا قومه يراد أنه في رفعة وشرف منهم ، فأصل الربا الإِنافة والزيادة ، ثم يقال : أربى فلان : أي أناف صيره زائدا . وإنما قيل للمربي مرب لتضعيفه المال الذي كان له على غريمه حالا ، أو لزيادته عليه فيه ، لسبب الأَجل الذي يؤخره إليه ، فيزيده إلى أجله الذي كان له قبل حل دينه عليه ، ولذلك قال جل ثناؤه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال في الربا الذي نهى الله عنه : كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين ، فيقول : لك كذا وكذا وتؤخر عني ، فيؤخر عنه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أن ربا الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى ، فإذا حل الأَجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه . فقال جل ثناؤه للذين يربون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا ، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ؛ يعني بذلك : يتخبله الشيطان في الدنيا ، وهو الذي يتخبطه فيصرعه من المس ، يعني من الجنون . وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ يوم القيامة في أكل الربا في الدنيا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا