محمد بن جرير الطبري

65

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أحصره خوف العدو . القول في تأويل قوله تعالى : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ . يعني بذلك جل ثناؤه : لا يستطيعون تقلبا في الأَرض ، وسفرا في البلاد ، ابتغاء المعاش وطلب المكاسب ، فيستغنوا عن الصدقات رهبة العدو ، وخوفا على أنفسهم منهم . كما : حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدو ، فلا يستطيعون تجارة . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يعني التجارة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد قوله : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فضل الله . القول في تأويل قوله تعالى : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ . يعني بذلك : يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم عن المسألة وتركهم التعرض لما في أيدي الناس صبرا منهم على البأساء والضراء . كما : حدثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ يقول : يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف . ويعني بقوله : مِنَ التَّعَفُّفِ من ترك مسألة الناس ، وهو التفعل من العفة عن الشيء ، والعفة عن الشيء : تركه ، كما قال رؤبة : فعف عن أسرارها بعد العسق يعني برئ وتجنب . القول في تأويل قوله تعالى : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ . يعني بذلك جل ثناؤه : تعرفهم يا محمد بسيماهم ، يعني بعلامتهم وآثارهم ، من قول الله عز وجل : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ هذه لغة قريش ، ومن العرب من يقول : " بسيمائهم " فيمدها ، وأما ثقيف وبعض أسد ، فإنهم يقولون : " بسيميائهم " ؛ ومن ذلك قول الشاعر : غلام رماه الله بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشق على البصر وقد اختلف أهل التأويل في السيما التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفت صفتهم وأنهم يعرفون بها ، فقال بعضهم : هو التخشع والتواضع . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ قال : التخشع . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن ليث ، قال : كان مجاهد يقول : هو التخشع . وقال آخرون يعني بذلك : تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ بسيما الفقر عليهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ يقول : تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة . وقال آخرون : معنى ذلك : تعرفهم برثاثة ثيابهم ، وقالوا : الجوع خفي . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ قال : السيما : رثاثة ثيابهم ، والجوع خفي على الناس ، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها تخفى على الناس . وأولى الأَقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم . وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان ، فيعرفهم وأصحابه بها ، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة . وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم ، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضر ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب ، وأن تكون كانت جميع ذلك ، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإِنسان ، ويعلم أنها من الحاجة والضر بالمعاينة دون الوصف ، وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظير