محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كما حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ قال : هو مردود عليك ، فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه ، إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله ، والله يجزيك . القول في تأويل قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ . . . يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أما قوله : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فبيان من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها . ومعنى الكلام : وما تنفقوا من خير فلأَنفسكم ، تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله . واللام التي في الفقراء مردودة على موضع اللام في فلأَنفسكم ، كأنه قال : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يعني به : وما تتصدقوا به من مال ، فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ، فلما اعترض في الكلام بقوله : " فلأَنفسكم " ، فأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه تركت إعادتها في قوله : " للفقراء " ، إذ كان الكلام مفهوما معناه . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أما لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فيعني المشركين ، وأما النفقة فبين أهلها ، فقال : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله . وقيل : إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية ، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مهاجري قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر بالصدقة عليهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر قوله : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية . قال : هم فقراء المهاجرين بالمدينة . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدى : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال : فقراء المهاجرين . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . يعني تعالى ذكره بذلك : الذين جعلهم جهادهم عدوهم يحصرون أنفسهم فيحبسونها عن التصرف فلا يستطيعون تصرفا . وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الإِحصار : تصيير الرجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوه ، وغير ذلك من علله إلى حالة يحبس نفسه فيها عن التصرف في أسبابه بما فيه الكفاية فيما مضى قبل . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : في ذلك بنحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال : حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال : كانت الأَرض كلها كفرا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله إذا خرج خرج في كفر . وقيل : كانت الأَرض كلها حربا على أهل هذا البلد ، وكانوا لا يتوجهون جهة إلا لهم فيها عدو ، فقال الله عز وجل : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية ؛ كانوا هاهنا في سبيل الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرف . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حصرهم المشركون في المدينة . ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدي ، لكان الكلام : للفقراء الذين حصروا في سبيل الله ، ولكنه " أحصروا " ، فدل ذلك على أن خوفهم من العدو الذي صير هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حبسوا وهم في سبيل الله أنفسهم ، لا أن العدو هم كانوا الحابسيهم ، وإنما يقال لمن حبسه العدو : حصره العدو ، وإذا كان الرجل المحبس من خوف العدو قيل :