محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المؤمنين بالنهي عن المن والأَذى في صدقاتهم . ثم ضرب مثلا لمن من وأذى من تصدق عليه بصدقة ، فمثله بالمرائي من المنافقين ، المنفقين أموالهم رياء الناس . وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من المثل نظيرة ما ضرب لهم من المثل قبلها ، فكان إلحاقها بنظيرتها أولى من حمل تأويلها على أنه مثل ما لم يجر له ذكر قبلها ولا معها . فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وهو فعل ماض فعطف به على قوله أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ ؟ قيل ؛ إن ذلك كذلك ، لأَن قوله : أَ يَوَدُّ يصح أن يوضع فيه " لو " مكان " أن " فلما صلحت بلو وأن ومعناهما جميعا الاستقبال ، استجازت العرب أن يردوا " فعل " بتأويل " لو " على " يفعل " مع " أن " ، فلذلك قال : فأصابها ، وهو في مذهبه بمنزلة " لو " إذا ضارعت " أن " في معنى الجزاء ، فوضعت في مواضعها ، وأجيبت " أن " بجواب " لو " و " لو " بجواب " أن " ، فكأنه قيل : أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب ، تجري من تحتها الأَنهار ، له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر . فإن قال : وكيف قيل هاهنا : وله ذرية ضعفاء ؟ وقال في النساء : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً ؟ قيل : لأَن " فعيلا " يجمع على " فعلاء " و " فعال " ، فيقال : رجل ظريف من قوم ظرفاء وظراف . وأما الإِعصار : فإنه الريح العاصف ، تهب من الأَرض إلى السماء كأنها عمود ، تجمع أعاصير ؛ ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري : أناس أجارونا فكان جوارهم * أعاصير من سوء العراق المنذر واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ فقال بعضهم : معنى ذلك : ريح فيها سموم شديدة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا يوسف بن خالد السمتي ، قال : ثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ ريح فيها سموم شديدة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس في : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ قال : السموم الحارة التي خلق منها الجان التي تحرق . حدثنا حميد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ قال : هي السموم الحارة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ التي تقتل . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عمن ذكره ، عن ابن عباس ، قال : إن السموم التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءا من النار . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ هي ريح فيها سموم شديد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ قال : سموم شديد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ يقول : أصابها ريح فيها سموم شديدة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، نحوه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ أما الإِعصار فالريح ، وأما النار فالسموم . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ يقول : ريح فيها سموم شديد . وقال آخرون : هي ريح فيها برد شديد . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : كان الحسن يقول في قوله : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ فيها صر وبرد . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ يعني بالإِعصار ريح فيها برد . القول في تأويل قوله