محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وهو مجمع أصور وصوراء وصور ، مثل أسود وسوداء وسود . ومنه قول الطرماح : عفائف الأَذيال أو أن يصورها * هوى والهوى للعاشقين صروع يعني بقوله : " أو أن يصورها هوى " : يميلها . فمعنى قوله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ اضممهن إليك ووجههن إليك ووجههن نحوك ، كما يقال : صر وجهك إلي ، أي أقبل به إلي . ومن وجه قوله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ إلى هذا التأويل كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر عليه ، ويكون معناه حينئذ عنده ، قال : فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ، ثم قطعهن ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا . وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم الصاد : قطعهن ، كما قال توبة بن الحمير : فلما جذبت الحبل أطت نسوعه * بأطراف عيدان شديد أسوارها فأدنت لي الأَسباب حتى بلغتها * بنهضي وقد كان ارتقائي يصورها يعني يقطعها . وإذا كان ذلك تأويل قوله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ كان في الكلام تقديم وتأخير ويكون معناه : فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن ، ويكون إليك من صلة " خذ " . وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة : " فصرهن إليك " بالكسر ، بمعنى قطعهن . وقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون فصرهن ولا فصرهن ، بمعنى قطعهن في كلام العرب ، وأنهم لا يعرفون كسر الصاد وضمها في ذلك إلا بمعنى واحد وأنهما جميعا لغتان بمعنى الإِمالة وأن كسر الصاد منها لغة في هذيل وسليم ؛ وأنشدوا لبعض بني سليم : وفرع يصير الجيد وحف كأنه * على الليت قنوان الكروم الدوالح يعني بقوله يصير : يميل ، وأن أهل هذه اللغة يقولون : صاروه وهو يصيره صيرا ، وصر وجهك إلي : أي أمله ، كما تقول : صره . وزعم بعض نحويي الكوفة أنه لا يعرف لقوله : فَصُرْهُنَّ ولا لقراءة من قرأ : " فصرهن " بضم الصاد وكسرها وجها في التقطيع ، إلا أن يكون " فصر هن إليك " في قراءة من قرأه بكسر الصاد من المقلوب ، وذلك أن تكون لام فعله جعلت مكان عينه ، وعينه مكان لامه ، فيكون من صرى يصرى صريا ، فإن العرب تقول : بات يصري في حوضه : إذا استقى ، ثم قطع واستقى ، ومن ذلك قول الشاعر : صرت نظرة لو صادف جوز دارع * غدا والعواصي من دم الجوف تنعر صرت : قطعت نظرة . ومنه قول الآخر : يقولون إن الشام يقتل أهله * فمن لي إذا لم آته بخلود تعرب آبائي فهلا صراهم * من الموت أن لم يذهبوا وجدودي يعني قطعهم ، ثم نقلت ياؤها التي هي لام الفعل فجعلت عينا للفعل ، وحولت عينها فجعلت لامها ، فقيل صار يصير ، كما قيل : عثي يعثى عثا ، ثم حولت لامها ، فجعلت عينها ، فقيل عاث يعيث . فأما نحويو البصرة فإنهم قالوا : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معني به في هذا الموضع التقطيع ، قالوا : وهما لغتان : إحداهما صار يصور ، والأَخرى صار يصير ، واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل ، وببيت المعلى بن جمال العبدي : وجاء خلعة دهس صفايا * يصور عنوقها أحوى زنيم