محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القائل : اعلم أن قد كان كذا وكذا ، على وجه الأَمر منه لغيره وهو يعني به نفسه . وقرأ ذلك آخرون : قالَ أَعْلَمُ على وجه الخبر عن نفسه للمتكلم به بهمز ألف أعلم وقطعها ورفع الميم . بمعنى : فلما تبين له ما تبين من قدرة الله وعظيم سلطانه بمعاينته ما عاينه ، قال أليس ذلك : أعلم الآن أنا أن الله على كل شيء قدير . وبذلك قرأ عامة أهل المدينة وبعض قراء أهل العراق ، وبذلك من التأويل تأوله جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : لما عاين من قدرة الله ما عاين ، قال : أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : يعني نبي الله عليه السلام ، يعني إنشاز العظام ، فقال : أعلم أن الله على كل شيء قدير . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال عزير عند ذلك يعني عند معاينة إحياء الله حماره أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : جعل ينظر إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، نحوه . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ : " أعلم " بوصل الأَلف وجزم الميم على وجه الأَمر من الله تعالى ذكره للذي قد أحياه بعد مماته بالأَمر بأن يعلم أن الله الذي أراه بعينيه ما أراه من عظيم قدرته وسلطانه من إحيائه إياه وحماره بعد موت مائة عام وبلائه حتى عادا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما ، وحفظ عليه طعامه وشرابه مائة عام حتى رده عليه كهيئته يوم وضعه غير متغير على كل شيء قادر كذلك . وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بالصواب دون غيره ؛ لأَن ما قبله من الكلام أمر من الله تعالى ذكره قولا للذي أحياه الله بعد مماته وخطابا له به ، وذلك قوله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ . . . وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها فلما تبين له ذلك جوابا عن مسألته ربه : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها قال الله له : أعلم أن الله الذي فعل هذه الأَشياء على ما رأيت على غير ذلك من الأَشياء قدير كقدرته على ما رأيت وأمثاله ، كما قال تعالى ذكره لخليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، بعد أن أجابه عن مسألته إياه في قوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فأمر إبراهيم بأن يعلم بعد أن أراه كيفية إحيائه الموتى أنه عزيز حكيم ، فكذلك أمر الذي سأل فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها بعد أن أراه كيفية إحيائه إياها أن يعلم أن الله على كل شيء قدير . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي يعني تعالى ذكره بذلك : ألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني . وإنما صلح أن يعطف بقوله : . وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ على قوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ لأَن قوله : أَ لَمْ تَرَ ليس معناه : ألم تر بعينيك ، وإنما معناه : ألم تر بقلبك ، فمعناه : ألم تعلم فتذكر ، فهو وإن كان لفظه لفظ الرؤية فيعطف عليه أحيانا بما يوافق لفظه من الكلام ، وأحيانا بما يوافق معناه . واختلف أهل التأويل في سبب مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموت ؟ فقال بعضهم : كانت مسألته ذلك ربه ، أنه رأى دابة قد تقسمتها السباع والطير ، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها مع تفرق لحومها في بطون طير الهواء وسباع الأَرض ليرى ذلك عيانا ، فيزداد يقينا برؤيته ذلك عيانا إلى علمه به خبرا ، فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن