محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ذكر لنا أن خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع ، فقال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . حدثنا عن الحسن ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال : مر إبراهيم على دابة ميت قد بلي وتقسمته الرياح والسباع ، فقام ينظر ، فقال : سبحان الله ، كيف يحيي الله هذا ؟ وقد علم أن الله قادر على ذلك ، فذلك قوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق ، إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزعت لحمها وبقي عظامها . فلما ذهبت السباع ، وطارت الطير على الجبال والآكام ، فوقف وتعجب ثم قال : رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكن ليس الخبر كالمعاينة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : مر إبراهيم بحوت نصفه في البر ، ونصفه في البحر ، فما كان منه في البحر فدواب البحر تأكله ، وما كان منه في البر فالسباع ودواب البر تأكله ، فقال له الخبيث : يا إبراهيم متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟ فقال : يا رب أرني كيف تحي الموتى قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي . وقال آخرون : بل كان سبب مسألته ربه ذلك ، المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، قال : لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصه الله في سورة الأَنبياء ، قال نمرود فيما يذكرون لإِبراهيم : أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو ؟ قال له إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . قال نمرود : أنا أحيي وأميت . فقال له إبراهيم : كيف تحي وتميت ؟ ثم ذكر ما قص الله من محاجته إياه . قال : فقال إبراهيم عند ذلك : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي من غير شك في الله تعالى ذكره ولا في قدرته ، ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه ، فقال : ليطمئن قلبي ، أي ما تاق إليه إذا هو علمه . وهذان القولان ، أعني الأَول وهذا الآخر ، متقاربا المعنى في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كانت ليرى عيانا ما كان عنده من علم ذلك خبرا . وقال آخرون : بل كانت مسألته ذلك ربه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا ، فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا ، ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيدا . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له أن يبشر إبراهيم بذلك ، فأذن له ، فأتى إبراهيم وليس في البيت فدخل داره ، وكان إبراهيم أغير الناس ، إن خرج أغلق الباب ؛ فلما جاء وجد في داره رجلا ، فثار إليه ليأخذه ، قال : من أذن لك أن تدخل داري ؟ قال ملك الموت : أذن لي رب هذه الدار ، قال إبراهيم : صدقت وعرف أنه ملك الموت ، قال : من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا . فحمد الله وقال : يا ملك الموت أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار . قال : يا إبراهيم لا تطيق ذلك . قال : بلى . قال : فأعرض فأعرض إبراهيم ثم نظر إليه ، فإذا هو برجل أسود تنال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار ، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار . فغشي على إبراهيم ، ثم أفاق وقد تحول ملك الموت في الصورة الأَولى ، فقال : يا ملك الموت لو لم يلق