محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها . فهما وإن اختلفا في اللفظ ، فمتقاربا المعنى ، وقد جاءت بالقراءة بهما الأَمة مجيئا يقطع العذر ويوجب الحجة ، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب لانقياد معنييهما ، ولا حجة توجب لإِحداهما من القضاء بالصواب على الأَخرى . فإن ظن ظان أن الإِنشار إذا كان إحياء فهو بالصواب أولى ، لأَن المأمور بالنظر إلى العظام وهي تنشر إنما أمر به ليرى عيانا ما أنكره بقوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع إنما عنى به ردها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه ، وهو يحيا ، لا إعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات . والذي يدل على ذلك قوله : ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشرت بعد أن كسيت اللحم . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان معنى الإِنشاز تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد ، وكان ذلك معنى الإِنشار ، وكان معلوما استواء معنييهما ، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه ، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه . وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي ، وهي قراءة من قرأ : " كيف ننشرها " بفتح النون وبالراء ، لشذوذها عن قراءة المسلمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً . يعني تعالى ذكره بذلك : ثُمَّ نَكْسُوها أي العظام لحما . والهاء التي في قوله : ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً من ذكر العظام . ومعنى نكسوها : نلبسها ونواريها به كما يواري جسد الإِنسان كسوته التي يلبسها ، وكذلك تفعل العرب ، تجعل كل شيء غطى شيئا وواراه لباسا له وكسوة ، ومنه قول النابغة الجعدي : فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الإِسلام سربالا فجعل الإِسلام إذ غطى الذي كان عليه فواراه وأذهبه كسوة له وسربالا . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يعني تعالى ذكره بقوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فلما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا من قدرة الله وعظمته عنده قبل عيانه ذلك ، قال : أعلم الآن بعد المعاينة والإِيضاح والبيان أن الله على كل شيء قدير . ثم اختلفت القراءة في قراءة قوله : قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ . فقرأه بعضهم : " قال أعلم " على معنى الأَمر بوصل الأَلف من " أعلم " ، وجزم الميم منها . وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة ، ويذكرون أنها في قراءة عبد الله : " قيل أعلم " على وجه الأَمر من الله للذي أحيي بعد مماته ، فأمر بالنطر إلى ما يحييه الله بعد مماته . وكذلك روي عن ابن عباس . حدثني أحمد بن يوسف التغلبي ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثني حجاج ، عن هارون ، قال : هي في قراءة عبد الله : " قيل أعلم أن الله " على وجه الأَمر . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس أحسبه ، شك أبو جعفر الطبري سمعت ابن عباس يقرأ : " فلما تبين له قال اعلم " قال : إنما قيل ذلك له . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : ذكر لنا والله أعلم أنه قيل له انظر فجعل ينظر إلى العظام كيف يتواصل بعضها إلى بعض وذلك بعينيه ، فقيل : اعلم أن الله على كل شيء قدير . فعلى هذا القول " قال أعلم " على معنى الأَمر تأويل ذلك : فلما تبين من أمر الله وقدرته ، قال الله له : اعلم الآن أن الله على كل شيء قدير . ولو صرف متأول قوله : وقال اعلم . وقد قرأه على وجه الأَمر إلى أنه من قبل المخبر عنه بما اقتص في هذه الآية من قصته كان وجها صحيحا ، وكان ذلك كما يقول