محمد بن جرير الطبري
91
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تظاهرت أيضا بقوله : " ليس من البر الصيام في السفر " ؟ . قيل : إن ذلك إذا كان صيام في مثل الحال التي جاء الأَثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك لمن قال له . حدثنا الحسين بن يزيد السبيعي ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في سفره قد ظلل عليه ، وعليه جماعة ، فقال : " من هذا ؟ " قالوا : صائم ، قال : " ليس من البر الصوم في السفر " . قال أبو جعفر : أخشى أن يكون هذا الشيخ غلط وبين ابن إدريس ومحمد بن عبد الرحمن شعبة . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأَنصاري ، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد اجتمع الناس عليه ، وقد ظلل عليه ، فقالوا : هذا رجل صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس من البر أن تصوموا في السفر " . فمن بلغ منه الصوم ما بلغ من الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ليس من البر أن تصوموا في السفر ، ذلك ، فليس من البر صومه ؛ لأَن الله تعالى ذكره قد حرم على كل أحد تعريض نفسه لما فيه هلاكها ، وله إلى نجاتها سبيل ، وإنما يطلب البر بما ندب الله إليه وحض عليه من الأَعمال لا بما نهى عنه . وأما الأَخبار التي رويت عنه النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " فقد يحتمل أن يكون قيل لمن بلغ منه الصوم ما بلغ من هذا الذي ظلل عليه إن كان قيل ذلك ، وغير جائز عليه أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قيل ذلك ، لأَن الأَخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واهية الأَسانيد لا يجوز الاحتجاج بها في الدين . فإن قال قائل : وكيف عطف على المريض وهو اسم بقوله : أَوْ عَلى سَفَرٍ و " على " صفة لا اسم ؟ قيل : جاز أن ينسق بعلى على المريض ، لأَنها في معنى الفعل ، وتأويل ذلك : أو مسافرا ، كما قال تعالى ذكره : دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فعطف بالقاعد والقائم على اللام التي في لجنبه ، لأَن معناها الفعل ، كأنه قال : دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما . القول في تأويل قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يعني تعالى ذكره بذلك : يريد الله بكم أيها المؤمنون بترخيصه لكم في حال مرضكم وسفركم في الإِفطار ، وقضاء عدة أيام أخر من الأَيام التي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد برئكم من مرضكم التخفيف عليكم ، والتسهيل عليكم لعلمه بمشقة ذلك عليكم في هذه الأَحوال . وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يقول : ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم ، فيكلفكم صوم الشهر في هذه الأَحوال ، مع علمه شدة ذلك عليكم وثقل حمله عليكم لو حملكم صومه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ قال : اليسر : الإِفطار في السفر ، والعسر : الصيام في السفر . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي حمزة ، قال : سألت ابن عباس عن الصوم في السفر ، فقال : يسر وعسر ، فخذ بيسر الله . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ قال : هو الإِفطار في السفر ، وجعل عدة من أيام أخر ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ فأريدوا لأَنفسكم الذي أراد الله لكم . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن عيينة ، عن عبد الكريم الجزري عن طاوس ، عن ابن عباس قال : لا تعب على من صام ولا على من أفطر ، يعني في السفر في رمضان ؛ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : ثنا الفضيل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال سمعت الضحاك بن مزاحم في قوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ الإِفطار في السفر ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ الصيام في السفر . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ . يعني تعالى ذكره بذلك : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عدة ما أفطرتم من أيام أخر أوجبت عليكم قضاء عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم ، أو إقامتكم من سفركم . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قال : عدة ما أفطر المريض والمسافر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قال : إكمال العدة : أن يصوم ما أفطر من