محمد بن جرير الطبري

92

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رمضان في سفر أو مرض إلى أن يتمه ، فإذا أتمه فقد أكمل العدة . فإن قال قائل : ما الذي عليه بهذه الواو التي في قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عطفت ؟ قيل : اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعضهم أهل العربية : هي عاطفة على ما قبلها كأنه قيل : ويريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله . وقال بعض نحويي الكوفة : وهذه اللام التي في قوله : وَلِتُكْمِلُوا لام كي ، لو ألقيت كان صوابا . قال : والعرب تدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها ، ولا تكون شرطا للفعل الذي قبلها وفيها الواو ؛ ألا ترى أنك تقول : جئتك لتحسن إلي ، ولا تقول : جئتك ولتحسن إلي ؛ فإذا قلته فأنت تريد : ولتحسن جئتك . قال : وهذا في القرآن كثير ، منه قوله : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ وقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ولو لم تكن فيه الواو كان شرطا على قولك : أريناه ملكوت السماوات والأَرض ليكون ، فإذا كانت الواو فيها فلها فعل مضمر بعدها ، و " ليكون من الموقنين " أريناه . وهذا القول أولى بالصواب في العربية ، لأَن قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ليس قبله لام بمعنى التي في قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فتعطف بقوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عليها ، وإن دخول الواو معها يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها ، إذ كانت الواو لو حذفت كانت شرطا لما قبلها من الفعل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ يعني تعالى ذكره : ولتعظموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به من الهداية التي خذل عنها غيركم من أهل الملل الذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثل الذي كتب عليكم فيه ، فضلوا عنه بإضلال الله إياهم ، وخصكم بكرامته فهداكم له ، ووفقكم لأَداء ما كتب الله عليكم من صومه ، وتشكروه على ذلك بالعبادة له . والذكر الذي خصهم الله على تعظيمه به التكبير يوم الفطر فيما تأوله جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن داود بن قيس ، قال : سمعت زيد بن أسلم يقول : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قال : إذا رأى الهلال ، فالتكبير من حين يرى الهلال حتى ينصرف الإِمام في الطريق والمسجد إلا أنه إذا حضر الإِمام كف فلا يكبر إلا بتكبيره . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : سمعت سفيان يقول : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قال : بلغنا أنه التكبير يوم الفطر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كان ابن عباس يقول : حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم ؛ لأَن الله تعالى ذكره يقول : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قال ابن زيد : ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلى كبروا ، فإذا جلسوا كبروا ، فإذا جاء الإِمام صمتوا ، فإذا كبر الإِمام كبروا ، ولا يكبرون إذا جاء الإِمام إلا بتكبيره ، حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد . قال يونس : قال ابن وهب : قال عبد الرحمن بن زيد : والجماعة عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلى . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . يعني تعالى ذكره بذلك : ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق . وتيسير ما لو شاء عسر عليكم . و " لعل " في هذا الموضع بمعنى " كي " ، ولذلك عطف به على قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ يعني تعالى ذكره بذلك : وإذا سألك يا محمد عبادي عني أين أنا ؟ فإني قريب منهم أسمع دعاءهم ، وأجيب دعوة الداعي منهم . وقد اختلفوا فيما أنزلت فيه هذه الآية ، فقال بعضهم : نزلت في سائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ الآية . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عبدة السجستاني ، عن الصلت بن حكيم ، عن أبيه حكيم ، عن جده الصلت بن حكيم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف ، عن الحسن ، قال : سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم : أين ربنا ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ الآية . وقال آخرون : بل نزلت جوابا لمسألة قوم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم : أي ساعة يدعون الله فيها ؟ ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : لما نزلت : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا