محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ومراكب ، ومنها أثاث وملابس ، وذلك هو معنى قوله : وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وأرسل لكم الرياح لواقح لأَشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم وسير لكم السحاب الذي بودقه حياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم ؛ وذلك هو معنى قوله : وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . فأخبرهم بأن إلههم هو الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم ، وتفرد لهم بها . ثم قال : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ فتشركوه في عبادتكم إياي ، وتجعلوه لي ندا وعدلا ؟ فإن لم يكن من شركائكم من يفعل ذلكم من شيء ، ففي الذي عددت عليكم من نعمتي وتفردت لكم بأيادي دلالات لكم إن كنتم تعقلون مواقع الحق والباطل والجور والإِنصاف ، وذلك إني لكم بالإِحسان إليكم متفرد دون غيري ، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادا . فهذا هو معنى الآية . والذين ذكروا بهذه الآية واحتج عليهم بها هم القوم الذين وصفت صفتهم دون المعطلة والدهرية وإن كان في أصغر ما عد الله في هذه الآية من الحجج البالغة ، المقنع لجميع الأَنام تركنا البيان عنه كراهة إطالة الكتاب بذكره . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ يعني تعالى ذكره بذلك : أن من الناس من يتخذ من دون الله أندادا له ، وقد بينا فيما مضى أن الند العدل بما يدل على ذلك من الشواهد فكرهنا إعادته ، وأن الذين اتخذوا هذه الأَنداد من دون الله يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله ، ثم أخبرهم أن المؤمنين أشد حبا لله من متخذي هذه الأَنداد لأَندادهم . واختلف أهل التأويل في الأَنداد التي كان القوم اتخذوها وما هي ؟ فقال بعضهم : هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر بن معاذ ، ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من الكفار لأَوثانهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى ذكره : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ مباهاة ومضاهاة للحق بالأَنداد . وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من الكفار لأَوثانهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ قال : هي الآلهة التي تعبد من دون الله . يقول : يحبون أوثانهم كحب الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ، أي من الكفار لأَوثانهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ قال : هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حبهم هم آلهتهم . وقال آخرون : بل الأَنداد في هذا الموضع إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصيه الله تعالى ذكره . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ قال : الأَنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله . فإن قال قائل : وكيف قيل كحب الله ، وهل يحب الله الأَنداد ؟ وهل كان متخذو الأَنداد يحبون الله فيقال يحيونهم كحب الله ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه ، وإنما نظير ذلك قول القائل : بعت غلامي كبيع غلامك ، بمعنى : بعته كما بيع غلامك وكبيعك غلامك ، واستوفيت حقي منه استيفاء حقك ، بمعنى : استيفائك حقك . فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطب اكتفاء بكنايته في " الغلام " و " الحق " ، كما قال الشاعر : فلست مسلما ما دمت حيا * على زيد بتسليم الأَمير يعنى بذلك : كما يسلم على الأَمير . فمعنى الكلام إذا : ومن الناس من يتخذ أيها المؤمنون من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه عامة أهل المدينة والشام : " ولو ترى الذين ظلموا " بالتاء إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بالياء أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ بفتح " أن " و " أن " كلتيهما ، بمعنى : ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله ويعاينونه ، أن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العذاب . ثم في نصب " أن "