محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
و " أن " في هذه القراءة وجهان : أحدهما أن تفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله لأَقروا . ومعنى ترى : تبصر أن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العذاب . ويكون الجواب حينئذ فتحت " أن " على هذا الوجه متروكا قد اكتفي بدلالة الكلام عليه . ويكون المعنى ما وصفت . فهذا أحد وجهي فتح أن على قراءة من قرأ : وَلَوْ تَرى بالتاء . والوجه الآخر في الفتح ، أن يكون معناه : ولو ترى يا محمد إذ يرى الذين ظلموا عذاب الله ، لأَن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العذاب ، لعلمت مبلغ عذاب الله . ثم تحذف اللام فتفتح بذلك المعنى لدلالة الكلام عليها . وقرأ ذلك آخرون من سلف القراء : " ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وإن الله شديد العذاب " بمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا حين يعاينون عذاب الله لعلمت الحال التي يصيرون إليها . ثم أخبر تعالى ذكره خبرا مبتدأ على قدرته وسلطانه بعد تمام الخبر الأَول ، فقال : إن القوة لله جميعا في الدنيا والآخرة دون من سواه من الأَنداد والآلهة ، وإن الله شديد العذاب لمن أشرك به وادعى معه شركاء وجعل له ندا . وقد يحتمل وجها آخر في قراءة من كسر " إن " في " ترى " بالتاء ، وهو أن يكون معناه : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذاب ، يقولون : إن القوة لله جميعا ، وإن الله شديد العذاب . ثم تحذف القول وتكفي منه بالمقول . وقرأ ذلك آخرون : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالياء إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ بفتح الأَلف من أن وأن ، بمعنى : ولو يرى الذين ظلموا عذاب الله الذي أعد لهم في جهنم لعلموا حين يرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ، إذ يرون العذاب . فتكون " أن " الأَولى منصوبة لتعلقها بجواب " لو " المحذوف ويكون الجواب متروكا ، وتكون الثانية معطوفه على الأَولى وهذه قراءة عامة القراء الكوفيين والبصريين وأهل مكة . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن تأويل قراءة من قرأ : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ بالياء في يرى وفتح الأَلفين في " أن " و " أن " : ولو يعلمون ، لأَنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ، فإذا قال : " ولو ترى " ، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ولو كسر " إن " على الابتداء إذا قال : " ولو يرى " جاز ، لأَن " لو يرى " : لو يعلم وقد يكون " لو يعلم " في معنى لا يحتاج معها إلى شيء ، تقول للرجل : أما والله لو يعلم ولو يعلم ، كما قال الشاعر : إن يكن طبك الدلال فلو في * سالف الدهر والسنين الخوالي هذا ليس له جواب إلا في المعنى ، وقال الشاعر : وبحظ ما تعيش ولا تذ * هب بك الترهات في الأَهوال فأضمر " عش " . قال : وقال بعضهم : " ولو ترى " وفتح " أن " على " ترى " وليس بذلك لأَن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناس كما قال تعالى ذكره : أم يقولون افتراه ليخبر الناس عن جهلهم ، وكما قال : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال أبو جعفر : وأنكر قوم أن تكون " أن " عاملا فيها قوله : وَلَوْ يَرَى ، وقالوا : إن الذين ظلموا قد علموا حين يرون العذاب أن القوة لله جميعا ، فلا وجه لمن تأول ذلك : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله . وقالوا : إنما عمل في " أن " جواب " لو " الذي هو بمعنى العلم ، لتقدم العلم الأَول . وقال بعض نحويي الكوفة : من نصب : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ممن قرأ : وَلَوْ يَرَى بالياء فإنما نصبها بأعمال الرؤية فيها ، وجعل الرؤية واقعة عليها . وأما من نصبها ممن قرأ : " ولو ترى " بالتاء ، فإنه نصبها على تأويل : لأَن القوة لله جميعا ، ولأَن الله شديد العذاب . قال : ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء فإنه يكسرهما على الخبر . وقال آخرون منهم نحويي الكوفة : فتح " أن " في قراءة من قرأ : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالياء بإعمال " يرى " ، وجواب الكلام حينئذ متروك ، كما ترك جواب : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ لأَن معنى الجنة والنار مكرر معروف . وقالوا : جائز كسر " إن " في قراءة من قرأ بالياء ، وإيقاع الرؤية على " إذ " في المعنى ، وأجازوا نصب " أن " على قراءة من قرأ ذلك بالتاء لمعنى نية فعل آخر ، وأن يكون تأويل الكلام : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يرون أن القوة لله جميعا . وزعموا أن كسر " إن " الوجه إذا قرئت :