محمد بن جرير الطبري

384

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلى الله عليه وسلم ما كان من وعد بني إسرائيل أن التابوت سيأتيهم ، جعلت أصنامهم تصبح في الكنيسة منكسة على رءوسها ، وبعث الله على أهل تلك القرية فأرا ، تثبت الفأرة الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه من دبره . قالوا : تعلمون والله لقد أصابكم بلاء ما أصاب أمة من الأَمم قبلكم ، وما نعلمه أصابنا إلا مذ كان هذا التابوت بين أظهرنا ، مع أنكم قد رأيتم أصنامكم تصبح كل غداة منكسة شيء لم يكن يصنع بها حتى كان هذا التابوت معها ، فأخرجوه من بين أظهركم فدعوا بعجلة فحملوا عليها التابوت ، ثم علقوها بثورين ، ثم ضربوا على جنوبهما ، وخرجت الملائكة بالثورين تسوقهما ، فلم يمر التابوت بشيء من الأَرض إلا كان قدسا ، فلم يرعهم إلا التابوت على عجلة يجرها الثوران ، حتى وقف على بني إسرائيل ، فكبروا وحمدوا الله ، وجدوا في حربهم واستوثقوا على طالوت . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : لما قال لهم نبيهم : إن الله اصطفى طالوت عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ، أبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فقال لهم : أرأيتم إن جاءكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة . وكان موسى حين ألقى الأَلواح تكسرت ، ورفع منها ، فنزل ، فجمع ما بقي ، فجعله في ذلك التابوت . قال ابن جريج : أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه لم يبق من الأَلواح إلا سدسها . قال : وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت ، والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحاء فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأَرض ، وهم ينظرون إلى التابوت حتى وضعته عند طالوت ، فلما رأوا ذلك قالوا : نعم فسلموا له وملكوه . قال : وكان الأَنبياء إذا حضروا قتالا قدموا التابوت بين يديهم ويقولون : إن آدم نزل بذلك التابوت وبالركن . وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبريه ، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : إن أرميا لما خرب بيت المقدس وحرق الكتب ، وقف في ناحية الجبل ، فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثم رد الله من رد من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته ، يعمرونها ثلاثين سنة تمام المائة ؛ فلما ذهبت المائة رد الله إليه روحه وقد عمرت ، فهي على حالتها الأَولى فلما أراد أن يرد عليهم التابوت ، أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم ، إما دانيال وإما غيره ، إن كنتم تريدون أن يرفع عنكم المرض ، فأخرجوا عنكم هذا التابوت قالوا : بآية ماذا ؟ قال : بآية أنكم تأتون ببقرتين صعبتين لم يعملا عملا قط ، فإذا نظرتا إليه وضعتا أعناقهم للنير حتى يشد عليهما ، ثم يشد التابوت على عجل ، ثم يعلق على البقرتين ، ثم تخليان فتسيران حيث يريد الله أن يبلغهما ففعلوا ذلك . ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما . فسارت البقرتان سيرا سريعا ، حتى إذا بلغتا طرف القدس كسرتا نيرهما ، وقطعتا حبالهما ، وذهبتا ، فنزل إليهما داود ومن معه . فلما رأى داود التابوت ، حجل إليه فرحا به فقلنا لوهب : ما حجل إليه ؟ قال : شبيه بالرقص فقالت له امرأته : لقد خففت حتى كاد الناس يمقتونك لما صنعت ، قال : أتبطئيني عن طاعة ربي ؟ لا تكونين لي زوجة بعد هذا ففارقها . وقال آخرون : بل التابوت الذي جعله الله آية لملك طالوت كان في البرية ، وكان موسى صلى الله عليه وسلم خلفه عند فتاه