محمد بن جرير الطبري

383

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال : لبيك أنا هذا مرني أفعل قال : انطلق إلى عيلي ، فقل له : منعه حب الولد أن يزجر ابنيه أن يحدثا في قدسي وقرباني وأن يعصياني ، فلأَنزعن منه الكهانة ومن ولده ، ولأَهلكنه وإياهما فلما أصبح سأله عيلي ، فأخبره ، ففزع لذلك فزعا شديدا ، فسار إليهم عدو ممن حولهم ، فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهما التابوت الذي كان فيه اللوحان وعصا موسى لينصروا به . فلما تهيئوا للقتال هم وعدوهم ، جعل عيلي يتوقع الخبر ماذا صنعوا ، فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه أن ابنيك قد قتلا ، وأن الناس قد انهزموا . قال : فما فعل التابوت ؟ قال : ذهب به العدو . قال : فشهق ووقع على قفاه من كرسيه فمات . وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم ولهم صنم يعبدونه ، فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه ، فأصبح من الغد والصنم تحته وهو فوق الصنم . ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمروا قدميه في التابوت ، فأصبح من الغد قد تقطعت يدا الصنم ورجلاه ، وأصبح ملقى تحت التابوت ؛ فقال بعضهم لبعض : قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء ، فأخرجوه من بيت آلهتكم فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم ، فأخذ أهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم ، فقالوا : ما هذا ؟ فقالت لهم جارية كانت عندهم من سبي بني إسرائيل : لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم ، فأخرجوه من قريتكم قالوا : كذبت قالت : إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نير قط ، ثم تضعوا وراءهم العجل ، ثم تضعوا التابوت على العجل ، وتسيروهما ، وتحبسوا أولادهما فإنهما تنطلقان به مذعنتين ، حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أرض بني إسرائيل ، كسرتا نيرهما ، وأقبلتا إلى أولادهما ففعلوا ذلك فلما خرجتا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل ، كسرتا نيرهما ، وأقبلتا إلى أولادهما ، ووضعتاه في خربة فيها حضار من بني إسرائيل . ففزع إليه بنو إسرائيل وأقبلوا إليه ، فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات ، فقال لهم نبيهم شمويل : اعترضوا ، فمن آنس من نفسه قوة فليدن منه فعرضوا عليه الناس ، فلم يقدر أحد يدنو منه ، إلا رجلان من بني إسرائيل أذن لهما بأن يحملاه إلى بيت أمهما ، وهي أرملة ، فكان في بيت أمهما حتى ملك طالوت فصلح أمر بني إسرائيل مع شمويل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : قال شمويل لبني إسرائيل لما قالوا له : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وإن آية ملكه : وإن تمليكه من قبل الله أن يأتيكم التابوت ، فيرد عليكم الذي فيه من السكينة ، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ، وهو الذي كنتم تهزمون به من لقيكم من العدو ، وتظهرون به عليه قالوا : فإن جاءنا التابوت ، فقد رضينا وسلمنا . وكان العدو الذين أصابوا التابوت أسفل من الجبل ، جبل إيليا ، فيما بينهم وبين مصر ، وكانوا أصحاب أوثان ، وكان فيهم جالوت ، وكان جالوت رجلا قد أعطي بسطة في الجسم وقوة في البطش وشدة في الحرب ، مذكورا بذلك في الناس . وكان التابوت حين استبي قد جعل في قرية من قرى فلسطين ، يقال لها : أردن ، فكانوا قد جعلوا التابوت في كنيسة فيها أصنامهم . فلما كان من أمر النبي