محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يلعنون الظلمة ، وداخل في الظلمة كل كافر بظلمه نفسه ، وجحوده نعمة ربه ، ومخالفته أمره . القول في تأويل قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها إن قال لنا قائل : ما الذي نصب خالِدِينَ فِيها قيل : نصب على الحال من الهاء والميم اللتين في عليهم . وذلك أن معنى قوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ أولئك يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون خالدين فيها . ولذلك قرأ ذلك أجمعين : " أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " من قرأه كذلك توجيها منه إلى المعنى الذي وصفت وذلك وإن كان جائزا في العربية ، فغير جائزة القراءة به لأَنه خلاف لمصاحف المسلمين وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضا فيها ، فغير جائز الاعتراض بالشاذ من القول على ما قد ثبتت حجته بالنقل المستفيض . وأما الهاء والأَلف اللتان في قوله : فِيها فإنهما عائدتان على اللعنة ، والمراد بالكلام ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس والذي صار إليه بها نار جهنم . وأجرى الكلام على اللعنة والمراد بها ما صار إليه الكافر كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل . كما : حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : خالِدِينَ فِيها يقول : خالدين في جهنم في اللعنة . وأما قوله : لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب أبدا من غير توقيت ولا تخفيف ، كما قال تعالى ذكره : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها وكما قال : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها وأما قوله : وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ فإنه يعني ولا هم ينظرون بمعذرة يعتذرون . كما : حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يقول : لا ينظرون فيعتذرون ، كقوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قد بينا فيما مضى معنى الألوهية وأنها اعتباد الخلق . فمعنى قوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ الواحد القهار لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة له ، ويستوجب منكم العبادة معبود واحد ورب واحد ، فلا تعبدوا غيره ولا تشركوا معه سواه فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه هو خلق من خلق إلهكم مثلكم ، وإلهكم إله واحد لا مثل له ولا نظير . واختلف في معنى وحدانيته تعالى ذكره ، فقال بعضهم : معنى وحدانية الله إله واحد الواحد القهار معنى نفي الأَشباه والأَمثال عنه كما يقال : فلان واحد الناس وهو واحد قومه ، يعني بذلك أنه ليس له في الناس مثل ، ولا له في قومه شبيه ولا نظير ؛ فكذلك معنى قول : الله واحد ، يعني به الله لا مثل له ولا نظير . فزعموا أن الذي دلهم على صحة تأويلهم ذلك أن قول القائل واحد يفهم لمعان أربعة ، أحدها : أن يكون واحدا من جنس كالإِنسان الواحد من الإِنس ، والآخر : أن يكون غير متفرق كالجزء الذي لا ينقسم ، والثالث : أن يكون معنيا به المثل والاتفاق كقول القائل : هذان الشيئان واحد ، يراد بذلك أنهما متشابهان حتى صارا لاشتباههما في المعاني كالشئ الواحد ، والرابع : أن يكون مرادا به نفي النظير عنه والشبيه . قالوا : فلما كانت المعاني الثلاثة من معاني الواحد منتفية عنه صح المعنى الرابع الذي وصفناه . وقال آخرون : معنى وحدانيته تعالى ذكره إله واحد الواحد القهار معنى انفراده من الأَشياء وانفراد الأَشياء منه . قالوا : وإنما كان منفردا وحده ، لأَنه غير داخل في شيء ولا داخل فيه شيء . قالوا : ولا صحة لقول القاتل واحد من جميع الأَشياء إلا ذلك . وأنكر قائلوا هذه المقالة المعاني الأَربعة التي قالها الآخرون . وأما قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإنه خبر منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيره ، ولا يستوجب على العباد العبادة سواه ، وأن كل ما سواه فهم خلقه ، والواجب على جميعهم طاعته ، والانقياد لأَمره وترك عبادة ما سواه من الأَنداد والآلهة وهجر الأَوثان والأَصنام ، لأَن جميع ذلك خلقه وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة ، ولا تنبغي الألوهة إلا له ، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه دون ما يعبدونه من الأَوثان ، ويشركون معه من الأَشراك وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه ، وأن ما أشركوا معه من الأَشراك لا يضر ولا ينفع في عاجل ولا في آجل ، ولا في دنيا ، ولا في آخرة . وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم ، ودعاء منه لهم إلى الأَوبة من كفرهم ، والإِنابة من شركهم . ثم عرفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الأَلباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده