محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وحججه الواضحة القاطعة عذرهم ، فقال تعالى ذكره : أيها المشركون أن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهيته من الأَنداد والأَوثان ، فتدبروا حججي وفكروا فيها ، فإن من حججي : خلق السماوات والأَرض ، واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأَرض بعد موتها ، وما بثثت فيها من كل دابة ، والسحاب الذي سخرته بين السماء والأَرض . فإن كان ما تعبدونه من الأَوثان والآلهة والأَنداد وسائر ما تشركون به إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعض يقدر على أن يخلق نظير شيء من خلقي الذي سميت لكم ، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذر ، وإلا فلا عذر لكم في اتخاذ إله سواي ، ولا إله لكم ولما تعبدون غيري . فليتدبر أولو الأَلباب إيجاز الله احتجاجه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده في هذه الآية وفي التي بعدها بأوجز كلام وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على معرفة فضل حكمة الله وبيانه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . فقال بعضهم : أنزلها عليه احتجاجا له على أهل الشرك به من عبدة الأَوثان ، وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فتلا ذلك على أصحابه ، وسمع به المشركون من عبدة الأَوثان قال المشركون : وما الحجة والبرهان على أن ذلك كذلك ، ونحن ننكر ذلك ، ونحن نزعم أن لنا آلهة كثيرة ؟ فأنزل الله عند ذلك : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ احتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، قال : نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فقال كفار قريش بمكة : كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إلى قوله : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فبهذا يعلمون أنه إله واحد ، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ، فأنزل الله هذه الآية يعلمهم فيها أن لهم في خلق السماوات والأَرض وسائر ما ذكر مع ذلك آية بينة على وحدانية الله ، وأنه لا شريك له في ملكه لمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح . ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبيه أبو سفيان ، عن أبي الضحى ، قال : لما نزلت : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن الحجاج ، ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، قال : حدثني سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ، قال : لما نزلت وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية . حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، قال : حدثني سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ، قال : لما نزلت هذه الآية جعل المشركون يعجبون ويقولون : تقول إلهكم إله واحد ، فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقين فأنزل الله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح : أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أرنا آية فنزلت هذه الآية : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي عن جعفر ، عن سعيد ، قال : سألت قريش اليهود ، فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وب يده البيضاء للناظرين ، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات ، فأخبروهم أنه كان يبرئ الأَكمه والأَبرص ويحيي الموتى بإذن الله . فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ربه ، ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد يقينا ، ونتقوى به على عدونا