محمد بن جرير الطبري
374
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
دون الله . فبعث الله إليهم إلياس بن يس بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا . وإنما كانت الأَنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة . وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أخاب ، وكان يسمع منه ويصدقه ، فكان إلياس يقيم له أمره . وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله ، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله ، وجعلوا لا يسمعون منه شيئا ، إلا ما كان من ذلك الملك ، والملوك متفرقة بالشام ، كل ملك له ناحية منها يأكلها . فقال ذلك الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوما : يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه الناس إلا باطلا والله ما أرى فلانا وفلانا يعدد ملوكا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأَوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه ، يأكلون ويشربون ويتنعمون ، مالكين ما ينقص من دنياهم ، وما نرى لنا عليهم من فضل ويزعمون والله أعلم أن إلياس استرجع ، وقام شعر رأسه وجلده ثم رفضه وخرج عنه . ففعل ذلك الملك فعل أصحابه ، عبد الأَوثان ، وصنع ما يصنعون . ثم خلف من بعده فيهم اليسع ، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون ، ثم قبضه الله إليه . وخلفت فيهم الخلوف ، وعظمت فيهم الخطايا ، وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر ، فيه السكينة ، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ، وكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم ، إلا هزم الله ذلك العدو . ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاء ، وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا لا يدخله عليهم عدو ولا يحتاجون معه إلى غيره . وكان أحدهم فيما يذكرون يجمع التراب على الصخرة ، ثم ينبذ فيه الحب ، فيخرج الله له ما يأكل سنته هو وعياله ، ويكون لأَحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنته . فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليه ، نزل بهم عدو ، فخرجوا إليه ، وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه ، ثم زحفوا به ، فقوتلوا حتى استلب من بين أيديهم . فأتى ملكهم إيلاء ، فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب ، فمالت عنقه ، فمات كمدا عليه . فمرج أمرهم عليهم ، ووطئهم عدوهم ، حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم ، وفيهم نبي لهم قد كان الله بعثه إليهم فكانوا لا يقبلون منه شيئا يقال له شمويل ، وهو الذي ذكر الله لنبيه محمد : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله : وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا يقول الله : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ إلى قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال ابن إسحاق : فكان من حديثهم فيما حدثني به بعض أهل العلم عن وهب بن منبه : أنه لما نزل بهم البلاء ووطئت بلادهم ، كلموا نبيهم شمويل بن بالي ، فقالوا : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله وإنما كان قوام بني إسرائيل الاجتماع على الملوك ، وطاعة الملوك أنبياءهم ، وكان الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له أمره ، ويأتيه بالخبر من ربه ، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم ، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم . فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل ، ففريقا يكذبون فلا يقبلون منه شيئا ، وفريقا يقتلون . فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله فقال لهم : إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد . فقالوا : إنما كنا نهاب الجهاد ونزهد