محمد بن جرير الطبري
372
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لَهُ بإثبات الأَلف في يضاعف ونصبه بمعنى الاستفهام . فكأنهم تأولوا الكلام : من المقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ؟ فجعلوا قوله : فَيُضاعِفَهُ جوابا للاستفهام ، وجعلوا : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً اسما ؛ لأَن الذي وصلته بمنزلة عمرو وزيد . فكأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل : من أخوك فنكرمه ؟ لأَن الأَفصح في جواب الاستفهام بالفاء ، إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل ، نصبه . وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب قراءة من قرأ : " فيضاعفه له " بإثبات الأَلف ، ورفع يضاعف ، لأَن في قوله : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه " معنى الجزاء ، والجزاء إذا دخل في جوابه الفاء لم يكن جوابه بالفاء لا رفعا ؛ فلذلك كان الرفع في " يضاعفه " أولى بالصواب عندنا من النصب . وإنما اخترنا الأَلف في " يضاعف " من حذفها وتشديد العين ، لأَن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يعني تعالى ذكره بذلك : أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة واتخذوه ربا دونه يعبدونه . وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : حدثنا به محمد بن المثنى ومحمد بن بشار ، قالا : ثنا حجاج ، وحدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي ، قال : ثنا حجاج وأبو ربيعة ، قالا : ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد وقتادة ، عن أنس ، قال : غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم غلا السعر ، فأسعر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله الباسط القابض الرازق ، وإني لأَرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال " . قال أبو جعفر : يعني بذلك صلى الله عليه وسلم : أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره . فكذلك قوله تعالى ذكره : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يعني بقوله : يَقْبِضُ يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه ، ويعني بقوله : وَيَبْصُطُ يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم . وإنما أراد تعالى ذكره بقيله ذلك حث عباده المؤمنين الذين قد بسط عليهم من فضله ، فوسع عليهم من رزقه على تقوية ذوي الإِقتار منهم بماله ، ومعونته بالإِنفاق عليه ، وحمولته على النهوض لقتال عدوه من المشركين في سبيله ، فقال تعالى ذكره : من يقدم لنفسه ذخرا عندي بإعطائه ضعفاء المؤمنين وأهل الحاجة منهم ما يستعين به على القتال في سبيلي ، فأضاعف له من ثوابي أضعافا كثيرة مما أعطاه وقواه به ، فإني أنا الموسع الذي قبضت الرزق عمن ندبتك إلى معونته وإعطائه ، لأَبتليه بالصبر على ما ابتليته به ، والذي بسطت عليك لأَمتحنك بعملك فيما بسطت عليك ، فأنظر كيف طاعتك إياي فيه ، فأجازي كل واحد منكما على قدر طاعتكما لي فيما ابتليتكما فيه ، وامتحنتكما به من غنى وفاقة وسعة وضيق ، عند رجوعكما إلي في آخرتكما ومصيركما إلي في معادكما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال من بلغنا قوله من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً الآية . قال : علم أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة ، وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد غنى ، فندب هؤلاء ، فقال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ قال : يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده ، وقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له ، فقوه